قبل بضع سنوات فقط، كان يُرتبط مصطلح «البلوك تشين» في الغالب بعملة البيتكوين وإيثيريوم وغيرها من العملات الرقمية. لكن التكنولوجيا اليوم تتخطى حدود سوق العملات الرقمية. فعلى السجلات الموزَّعة تظهر الآن سندات حكومية، وحصص في صناديق الاستثمار، وأدوات مالية تقليدية أخرى.
وهذا الاتجاه أُطلق عليه اسم الأصول الواقعية أو RWA (Real World Assets). والمصطلح هنا غير دقيق بعض الشيء: فالسند أو الحصة في الصندوق لا تتحول إلى عملة رقمية بالمعنى المألوف. بل تُستخدم تقنية البلوك تشين لإصدار أو تسجيل أو نقل تمثيل رقمي للحقوق المرتبطة بالأصل التقليدي.
ويزداد الاهتمام بـ RWA باطراد: ففي أغسطس 2026، أشار البنك المركزي الأوروبي إلى أن «الترميز الرقمي» (Tokenization) يُعد أحد المسارات الرئيسية لبناء البنية التحتية المالية المستقبلية. وحسب التقديرات التي قدَّمها البنك المركزي الأوروبي، فقد أصدر المُصدِّرون الأوروبيون منذ عام 2021 ما يقارب 4 مليار يورو من الأدوات الدينية باستخدام تقنية السجل الموزَّع، بما في ذلك أول إصدارات السندات الحكومية الرقمية.
- ما المقصود بـ RWA بلغة بسيطة؟
- ما الأصول التي يمكن ترميزها رقميًا؟
- كيف يعمل الترميز الرقمي؟
- لماذا تحتاج المالية التقليدية إلى تقنية البلوك تشين؟
- كيف تربط RWA بين المالية التقليدية (TradFi) والمالية اللامركزية (DeFi)؟
- ما المخاطر التي تواجه المستثمر في أدوات RWA؟
- هل تُعتبر RWA بديلًا للمالية التقليدية؟
ما المقصود بـ RWA بلغة بسيطة؟
تخيل سندًا حكوميًّا عاديًّا: يشتري المستثمر الورقة المالية ويكتسب الحق في الحصول على المبالغ المتفق عليها وفق شروط الإصدار، وتُسجل معلومات الملكية عبر البنية التحتية المالية التقليدية.
أما عند الترميز الرقمي، فيتم نقل جزء من هذه المنظومة إلى شبكة البلوك تشين. إذ يُربَط الحق في الأداة — أو التمثيل الرقمي لهذا الحق — برمز رقمي (توكين)، ويمكن تسجيل هذا الرمز ونقله عبر السجل الموزَّع.
وتعرِّف لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) الورقة المالية المُرمَّزة رقميًا بأنها أداة مالية تندرج تحت تعريف «الأمن المالي» (security)، وتُقدَّم على هيئة أصل رقمي (كريبتو أسيت)، مع تسجيل ملكيته كليًّا أو جزئيًّا عبر واحدة أو أكثر من شبكات الكريبتو.
والنقطة الجوهرية هنا هي أن الترميز الرقمي لا يغيّر الطبيعة الاقتصادية للأداة الأساسية.
فإذا تم نقل سند حكومي إلى شبكة البلوك تشين، فإنه لا يصبح نظيرًا للبيتكوين. وإذا مثل التوكين حصة في صندوق استثماري، فإن المستثمر لا يزال يتعامل مع منتج استثماري تقليدي. وقد صاغت مفوضة لجنة الأوراق المالية والبورصات هيستر بيرس هذه الفكرة بوضوحٍ تام: إن استخدام تقنية البلوك تشين لا يحوِّل الورقة المالية إلى شيء آخر، ولذلك تظل القواعد التنظيمية المعمول بها ساريةً على الأدوات المُرمَّزة رقميًا.
ولهذا يُفضَّل اعتبار RWA ليس فئة جديدة من الأصول، بل شكلًا تكنولوجيًّا جديدًا للتعامل مع الأصول والحقوق المالية الموجودة أصلاً.
ما الأصول التي يمكن ترميزها رقميًا؟
ومن أوضح الأمثلة على ذلك السندات وصناديق السوق النقدي.
ففي هذه المنتجات يسهل تحديد الأداة الأساسية وقيمتها وآلية الدفعات ومالكها. ولذلك أصبح سوق الأدوات الدينية أحد أبرز المجالات المؤسسية التي تشهد ترميزًا رقميًا.
وهناك أمثلة عملية قيد التشغيل بالفعل. فقد أطلقت شركة فرانكلين تيمبلتون صندوق «فرانكلين أون تشين لسندات الحكومة الأمريكية للسوق النقدي» (Franklin OnChain U.S. Government Money Fund) في عام 2021. ويستثمر الصندوق ما لا يقل عن 99,5% من أصوله في الأوراق المالية الحكومية الأمريكية، والنقد، والصفقات الضمانية (ريبو) المدعومة بهذه الأوراق. ويمثِّل كل توكين باسم «بينجي» (BENJI) حصة واحدة في الصندوق، وتستخدم نظام التسجيل شبكات بلوك تشين عامة. وبتاريخ 31 يوليو 2026، بلغت الأصول الصافية للصندوق نحو 721 مليون دولار أمريكي.
ويجب التأكيد أن توكين «بينجي» ليس عملة مضاربية منفصلة، ترتفع قيمتها بسبب الطلب في سوق الكريبتو. بل هو تمثيل رقمي لحصة في صندوق استثماري مسجل رسميًّا.
وبالمبدأ نفسه، يمكن ترميز الأصول التالية رقميًا:
- السندات الحكومية والشركات (السندات)
- حصص صناديق الاستثمار
- أدوات القروض الخاصة
- الأسهم
- الذهب والسلع الأخرى
- الحقوق المرتبطة بالعقارات
ويتطلب المثال الأخير حذرًا خاصًّا. فعبارة «العقارات المُرمَّزة رقميًا» لا تعني بالضرورة أن مالك التوكين مسجلٌ رسميًّا كمالك مباشر لشقة أو مبنى. فقد يمنح التوكين حصة في شركة تملك العقار، أو حقًا في جزء من التدفقات النقدية الناتجة عنه، أو أي طلب تعاقدية أخرى.
ولذلك فإن السؤال الجوهري عند تحليل أي منتج RWA ليس «ما الذي يضمن هذا التوكين؟»، بل «ما الحق القانوني الذي أحصل عليه فعليًّا؟»
وتلفت لجنة الأوراق