ورغم أن عمليات الكاري ترييد (التجارة بالفروقات في أسعار الفائدة) متاحة أساسًا للمشاركين الكبار في السوق، فإن تحركاتهم قد تُشكِّل بالنسبة لنا مفاجأة سارة أو انقلابًا غير متوقعٍ، خاصةً إذا كانت أداة التداول التي نستخدمها هي زوج عملات يتضمَّن «عملة التمويل».
ما مصدر الربح في عمليات الكاري ترييد؟
عندما تبدأ أسعار الفائدة على السندات أو الودائع في دولة ما بالارتفاع نتيجة السياسات التي ينتهجها البنك المركزي، يسعى صناديق التحوط، ووكلاء العملات في الشركات، وشركات إدارة الأصول وغيرها من المشاركين في تداول الأسواق المالية إلى استغلال هذه الفرصة دون تفويتها. وتُعد عمليات الكاري ترييد أكثر هذه العمليات انتشارًا.

وتتمثِّل عمليات الكاري ترييد بالعملات في: الاقتراض بعملة واحدة بسعر فائدة منخفض جدًّا، ثم تحويلها إلى عملة أخرى ووضعها في وديعة بسعر فائدة أعلى، أو شراء أصل ذي عائد مرتفع — مثل السندات عالية العائد، أو أسهم الشركات، أو عقود السلع الآجلة. وتُسمَّى العملة التي يتم الاقتراض بها «عملة التمويل». وغالبًا ما تكتسب العملة هذه الخاصية ليس فقط بسبب انخفاض أسعار الفائدة فيها، بل أيضًا بسبب فائض الميزان التجاري للدولة المصدرة لها.
وإذا كان هناك اهتمام نشيط في السوق بكسب العوائد عبر عمليات الكاري ترييد، فإن حجم التداول يزداد، ما قد يؤدي إلى اتجاه صاعد (ذو طابع ثورى) للعملة ذات العائد المرتفع، واتجاه هابط (ذو طابع دبّي) لعملة التمويل. وتستمر هذه الاتجاهات ما دامت ثقة المشاركين في السوق قائمة بأن بنكًا مركزيًّا معينًا سيواصل سياسة أسعار الفائدة المرتفعة، بينما سيحافظ البنك المركزي الآخر — الذي تُستخدم عملته كعملة تمويل — على إجراءاته التحفيزية.
الروابط بين الأسواق المختلفة
الارتباط بين أسواق عملات التمويل، والعملات عالية العائد، ومؤشرات البورصة، وأدوات السوق السلعي والعملات السلعية قويٌّ للغاية. ومن وجهة نظري، يجب أن ندرك هذه الروابط بوضوح لفهم الصورة الحقيقية لما يجري في الأسواق. ويمكننا لذلك استخدام مؤشرات أو إشارات مساعدة تساعدنا في تحديد الاتجاه الذي تتجه إليه الأموال ولماذا. فسياسة البنوك المركزية تجيب عن سؤال «لماذا؟»، أما التحليل بين الأسواق فيجيب عن سؤال «إلى أين؟».
ويحدث ارتفاع مؤشرات الأسهم والسلع خلال فترات البرامج التحفيزية على خلفية انخفاض أسعار عملات التمويل. ومع ذلك، فإن أي اتجاه له خاصيته في الانتهاء، أو على الأقل يحمل خطر تصحيح عميق. وفي هذه اللحظات يجب أن نكون في حالة تأهُّب، لأن خروج رؤوس الأموال من سوق الأسهم يؤدي إلى ارتفاع قيمة عملات التمويل. وهنا تبرز لدينا مسألة: كيف نتتبع التغيرات في أسواق الأسهم؟ سنوضح ذلك بمثال اليين الياباني ومؤشرات الأسهم.
الارتباط الحديث بين الأصول
في الفترة الأخيرة، التي استمرت لفترة طويلة جدًّا، يوجد ارتباط عكسي قوي جدًّا بين عملات التمويل. وهذا يعني أنه عند ازدياد الشهية للمخاطرة — والتي تظهر في ارتفاع مؤشرات البورصة — نلاحظ انخفاض سعر صرف الين الياباني (JPY). وبالمقابل، عند حدوث انهيارات حادة في أسواق الأسهم، نشهد ارتفاعًا مفاجئًا في أسعار أزواج العملات التي تتضمَّن الين، إذ يرتفع سعر صرفه.
وقد تحدث هذه الانهيارات في أسواق الأسهم ضمن إطار التصحيحات العادية، والتي من غير المرجح أن تؤثر تأثيرًا كبيرًا على البنية الفنية لمؤشر البورصة، أو قد تُثير حالة من الذعر في أسواق رؤوس الأموال، ما يؤدي بدوره إلى تغيير اتجاه سوق الأسهم. ولتحديد ما إذا كان هذا التغيير اتجاهًا جديدًا أم مجرد تصحيح، لا بد من الانتباه إلى بعض الإشارات الدالة.
ومن هذه الإشارات الدالة: النوايا والأعمال الفعلية للبنك المركزي في الدولة التي يُناقش مؤشر بورصتها، أو البيانات الصادرة عن البورصات السلعية حول سلوك المشاركين الكبار في السوق. ومن وجهة نظري، فإن هذين الحدثين مرتبطان ارتباطًا وثيقًا جدًّا.
أسعار الفائدة، والبنك المركزي، والأسهم — كيف تعمل هذه العلاقة؟

سنبدأ بإجراءات البنك المركزي، لأنها القوة الدافعة الرئيسية في الأسواق.
- السياسة النقدية للبنوك المركزية تحدد الاتجاه العام للاتجاهات في سوق الفوركس. فأسعار الفائدة تؤثر في اهتمام المستثمرين بعملة معينة. فلنتحدث عن ذلك: إن أسعار الفائدة المنخفضة تُعد إجراءً تحفيزيًّا يُحفِّز نمو سوق الأسهم، فيبدأ سعر الأسهم في الارتفاع.
- وانخفاض تكلفة الائتمان يعزِّز أداء الشركات بشكل عام، ويؤدي إلى ارتفاع عدد من المؤشرات الاقتصادية الكلية المهمة، مثل التضخم، والعمالة، والناتج المحلي الإجمالي.
- وهذا بدوره يشجِّع المستثمرين، وإداريي الصناديق، والمتداولين الأفراد على شراء الأسهم على أمل أن يترجم النمو الاقتصادي الأعلى إلى أرباح شركة أعلى، ما يجعل الاستثمار في الأسهم أكثر جاذبية.
- ولذلك نرى اتجاهًا صاعدًا في أسواق الأسهم للدول التي تتبع بنوكها المركزية سياسة تحفيزية.
ومع ذلك، ففي اللحظات التي يُرسل فيها البنك المركزي إشاراتٍ بتغيير سياسته من أسعار فائدة منخفضة إلى العكس، يسعى المتعاملون إلى تثبيت الأرباح المحققة من فرق أسعار الصرف. وهذا ما يؤدي إلى التصحيحات أو حتى تغيير الاتجاه تمامًا. وفي هذه اللحظات، كما سبق شرحه، يبدأ سعر عملة التمويل في الارتفاع.