[info_block align=”right”]عند الاستثمار في السندات الحكومية الروسية (أو.إف.زد)، يُركّز المستثمرون على عائد يتراوح بين ٩٪ و١٥٪. وفي عام ٢٠١٧، سيبلغ هذا العائد نحو ١١٪.[/info_block]
ورغم جميع «التهديدات» التي أطلقها وزارة المالية الروسية، فقد بلغ سعر صرف الروبل في أوائل أبريل ذروته المسجَّلة لأول مرة منذ يوليو ٢٠١٥، واستقر بثبات عند مستويات قياسية تعود إلى ٢٠ شهرًا. أما أسعار النفط فلا تُظهر ارتفاعات مماثلة، إذ ظلّت ضمن نطاقٍ تم تداوله منذ فترة طويلة. فما السبب الحقيقي وراء هذا التقوّي المفاجئ للروبل؟ وما مصير العملة الروسية في المرحلة القادمة؟
شكراً لجنوب إفريقيا على الروبل القوي
لم تكن العملة الروسية تختلف كثيراً عن الراند الجنوب إفريقي في جذب المستثمرين قبل وقتٍ قصير. فقد كانت كلا العملتين تحظى بشعبية لدى المضاربين بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، ما جعل استخدامهما في استراتيجية الكاري ترييد مربحًا للغاية.
أما الأزمة السياسية في جنوب إفريقيا فقد أضعفت الراند بشكل حاد، بل وأفقدته لقب «أفضل عملة للكاري ترييد في عام ٢٠١٧». وآخر لمسة كانت خفض وكالة التصنيف الدولية «S&P» لتصنيف جنوب إفريقيا من «BBB-» إلى «BB+»، ما سيُسرّع بالتأكيد هروب رؤوس الأموال من البلاد. وكما نعلم، لا يمكن لرأس المال أن «يهرب إلى الفراغ». وبذلك، تصبح روسيا الخيار الأمثل للمستثمرين.
سعر الفائدة والروبل: كم يربح المستثمر؟
المستثمرون لا يكترثون بالتفاصيل السياسية إطلاقاً. فما يهمهم هو الربح. وهنا تقدّم السندات الحكومية الروسية (أو.إف.زد) فرصة ممتازة لتحقيق ذلك. وبما أن الراند — المنافس الرئيسي للروبل — قد اختفى تقريبًا من المشهد، فإن ذلك قد يشكّل دافعًا قويًّا لتعزيز قيمة الروبل.
نذكّر كيف يعمل هذا النموذج: يقترض المستثمرون والمضاربون الدولار أو اليورو بأسعار فائدة منخفضة، ثم يستثمرونها في الروبل بأسعار فائدة أعلى. وإذا استقر الروبل أو تقوّى أكثر، فيمكن إعادة تحويل الروبل إلى اليورو أو الدولار بعد فترة، محقّقين ربحًا جيدًا.
وهذا المثال مبسّط جدًّا، لأنه يتجاهل حلقة أساسية، وهي: السندات الحكومية الاتحادية. فالروبل لا يبقى في خزائن المستثمرين دون استخدام، بل يُستثمر في شراء هذه السندات.
ولإكمال الصورة، نشير إلى أن عند الاستثمار في السندات الحكومية الروسية (أو.إف.زد)، يُركّز المستثمرون على عائد يتراوح بين ٩٪ و١٥٪. وفي عام ٢٠١٧، سيبلغ هذا العائد نحو ١١٪.
وفي الربع الأول من عام ٢٠١٧، جذبت وزارة المالية الروسية عبر مزاداتها لطرح السندات ٤٠٣ مليار روبل روسي، بينما تخطط لرفع هذا المبلغ في الربع الثاني إلى ٥٠٠ مليار روبل، وهو أعلى مستوى منذ عام ٢٠١٠.
لماذا الروبل بالتحديد؟
الاستثمار في الأسواق الناشئة ينطوي دائمًا على مخاطر مرتفعة، ووقائع جنوب إفريقيا خير دليلٍ على ذلك. كما أن الليرة التركية تُستخدم غالبًا مع الراند والروبل في عمليات الكاري ترييد. فلماذا الروبل تحديدًا؟
نرى أن الدور المحوري في هذا السياق — رغم غرابته الظاهرة — يلعبه البنك المركزي الروسي. فالمستثمرون يخشون تركيا ودول أوروبا وأسيا وإفريقيا الأخرى بسبب التأثير الكبير الذي تمارسه الأطراف السياسية على البنوك المركزية، لا سيما في خفض سعر الفائدة.
وعلى خلفية ذلك، يبدو البنك المركزي الروسي مستقلًّا نسبيًّا عن الضغوط السياسية. ومن الجدير بالذكر أن رئيسة البنك المركزي الروسي، إيلفييرا نابيوللينا، أُعلنت مؤخرًا «أكثر محافظ بنكي تمسكًا بالمنهجية التقليدية في أوروبا الشرقية». كما أن دورة خفض سعر الخصم في البنك المركزي الروسي تتم بحذرٍ بالغ، ما يجذب اهتمام المستثمرين.
وهناك عامل مهم آخر يدعم الروبل: تتطلب عمليات الكاري ترييد حجمًا كبيرًا من السيولة، ولذلك تشارك فيها عادةً جهات ضخمة مثل البنوك المركزية والبنوك النظامية الكبرى. أما في حالة روسيا، فقد وُسّع نطاق التداول ليشمل صناديق التحوط والشركات الرائدة عالميًّا.
ما العوائق المحتملة أمام استمرار ارتفاع الروبل؟
[info_block align=”right”]في هذا العام، انخفض سعر برميل نفط برنت بنسبة ٧,٧٪، لكن المستثمرين في السوق الروسي فضّلوا تجاهل هذه الحقيقة.[/info_block]
أولاً، يجب الأخذ في الاعتبار أن استراتيجية الكاري ترييد هي استراتيجية مضاربية بحتة، وأن مزاج المضاربين قد يتغير من يومٍ لآخر. وبصورة مبسّطة، تُصنَّف روسيا واحدة من البلدان الواقعة في «منطقة المخاطر الجيوسياسية».
كما أن العقوبات الاقتصادية لم تُلغَ بعد. بل إن استطلاعات وكالة بلومبرغ تشير إلى أن نسبة من توقعوا تخفيف العقوبات الأمريكية في عام ٢٠١٧ انخفضت من ٦٠٪ في يناير إلى ٢٥٪ الآن، بينما انخفضت التوقعات المتعلقة بتخفيف العقوبات الأوروبية من ٤٤٪ إلى ٢٠٪. ومما لا شك فيه أن تطبيق قيود جديدة لا يزال ممكنًا، ما سيزيد الضغط على الاقتصاد ويُضعف سعر صرف الروبل.
كما توجد مخاطر نابعة من زاوية مضاربية بحتة: بمجرد أن تقدم أي اقتصاد ناشئ شروطًا أكثر جاذبية من الروبل، فإن قرار المضاربين بالانتقال سيكون سريعًا، ما يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال من روسيا.
ولا ينبغي إغفال العامل التقليدي المؤثر في سعر الروبل: سعر النفط. في هذا العام، انخفض سعر برميل نفط برنت بنسبة ٧,٧٪، لكن المستثمرين في السوق الروسي فضّلوا تجاهل هذه الحقيقة. وعلى الرغم من تصريحات رئيس منظمة أوبك، فإن وضع سوق النفط — بحسب رأينا — لا يمكن وصفه بالاستقرار. فإذا استأنفت أسعار النفط هبوطها، فسيكون على السوق الروسي الرد فورًا.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الروبل القوي يُعد أمرًا غير مرغوب فيه للسلطات الروسية في حال انخفاض أسعار النفط، وبالتالي ستضطر تلك السلطات إلى اتخاذ إجراءات لتخفيف قوة الروبل.
الخلاصة
بالطبع، توجد مخاطر كبيرة تواجه الروبل، وقد قدّمنا هنا أبرزها فقط. ومع ذلك، وفي الوقت الراهن، وسط انخفاض العوائد القياسية في الدول المتقدمة وارتفاع المخاطر السياسية في تركيا وجنوب إفريقيا، يُعتبر الاستثمار في السندات الحكومية الروسية (أو.إف.زد) الخيار الأمثل للمستثمرين. وطالما استمر الفارق في أسعار الفائدة بهذا الشكل، فإن نشاط المستثمرين سيستمر في دعم ارتفاع الروبل.