فورترادير: وفقًا لبيانات وكالة رويترز، زادت شركات كبرى مثل إكسون وشل وتوتال وإنِي من مشترياتها من النفط السعودي لتزويد مصافي التكرير التابعة لها في أوروبا. وفي 13 أكتوبر، أعلن إيجور سيتشين، رئيس شركة «روزنفت» الروسية، أن النفط السعودي بدأ بالفعل بالتدفق إلى بولندا. وفي الحالتين، تُباع النفط السعودي بأسعار أقل من سعر خام «أورالز» الروسي.
هل تستطيع المملكة العربية السعودية، عبر ممارسة سياسة التخفيض السعري (الدمبينغ)، أن تُهمّش النفط الروسي في الأسواق الأوروبية؟ وما العواقب المحتملة لهذا الصراع بين روسيا والمملكة العربية السعودية على سعر صرف الروبل؟

صوفيا فوكوفيتش، محللة شركة آي إف سي ماركيتس: وفقًا لبيانات بلومبرغ، تجاوزت المخزونات التجارية من النفط في المملكة العربية السعودية 326 مليون برميل في أغسطس 2015، محققةً أعلى مستوى منذ عام 2002، وذلك لأن إنتاجها اليومي خلال الأشهر الأخيرة يفوق صادراتها اليومية بنحو 3 ملايين برميل. ومن هذا يستنتج عدة سيناريوهات محتملة.
المملكة العربية السعودية: تخزين النفط أم خفض الأسعار؟
يرى بعض الخبراء أن المملكة قد تلجأ إلى تخزين النفط انتظارًا لظروف أكثر ملاءمة لإبرام عقود التوريد إلى الأسواق العالمية. ومع ذلك، من الواضح أن المملكة ستضطر في وقتٍ ما إلى تسويق هذه المخزونات المتراكمة، إذ لا يمكن استهلاكها داخليًّا بالكامل لتعويض الفائض المتراكم.
أما الرأي البديل فيرى أن الدولة العربية تسعى عبر هذه السياسة إلى توسيع حصتها في السوق الأوروبي عبر التخفيض السعري. وإذا بدأت الكميات المخزونة بالتدفق النشيط إلى السوق العالمي، فإن ذلك سيؤدي إلى انخفاض ملحوظ في أسعار النفط. والواقع أن المستهلكين الأوروبيين بدأوا بالفعل في التحول جزئيًّا عن شراء النفط الروسي لصالح عقود التوريد مع المملكة العربية السعودية، وذلك بسبب ظروف التوريد الأكثر جاذبية والأسعار التنافسية.
الصراع مع روسيا على السوق الأوروبي
نفترض أن المملكة العربية السعودية، رغم المخاطر المرتبطة بذلك، قد تختار حاليًّا التركيز على توسيع حصتها في السوق العالمي، وبخاصة في إطار المنافسة مع روسيا على السوق الأوروبي. وفي ظل انخفاض أسعار النفط والعقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا من قِبل المجتمع الدولي، فإن الاقتصاد الروسي سيكون أكثر هشاشة أمام أي انخفاض إضافي في أسعار النفط العالمية، ولن يكون قادرًا على تبني قواعد اللعبة التي تفرضها الدولة العربية. وبالفعل، فقد دخل إيران أخيرًا ساحة الصراع على إعادة توزيع السوق، وأعلنت عن خطط لزيادة إنتاجها اليومي من النفط بمقدار 500 ألف برميل، وهو ما سيؤدي أيضًا إلى خفض أسعار النفط.
ويبدو أن المملكة العربية السعودية قررت المراهنة على الاستيلاء على حصة أكبر من السوق في ظل غياب الإمكانيات المالية الواسعة لدى روسيا، المنافس المباشر لها، للتصدي لهذه الاستراتيجية. ونتيجةً للعقوبات الغربية، فإن وصول روسيا إلى الموارد المالية الخارجية مقيدٌ بشدة. وكما نرى، فإن المملكة العربية السعودية مستعدة لتقبل عجز في ميزانيتها يُقدَّر بنسبة 20% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2016، كما أنها مستعدة لاستخدام الاحتياطيات المالية المُحقَّقة سابقًا من مبيعات النفط لتنفيذ هذه الاستراتيجية. وعلى الأرجح، كان الهدف من بيع المملكة للسندات هذا العام وجذبها لمصادر تمويل إضافية من شركات إدارة الأصول هو تمويل هذه الخطة. وبالتالي، فإن فرص نجاح روسيا في مواجهة هذا السيناريو تبدو ضئيلة جدًّا.
هل يؤدي النفط الرخيص إلى التخلف عن سداد الديون؟
مع ذلك، يجب أخذ حقيقةٍ في الاعتبار وهي أن الأسعار الحالية للنفط عند مستوى 50 دولارًا للبرميل غير مربحة للمملكة العربية السعودية، ناهيك عن انخفاضها أكثر في حالة تطبيق سياسة الدمبينغ. ووفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فإن الموازنة السعودية لن تكون متوازنة إلا إذا بلغ سعر البرميل أكثر من 100 دولار، بينما يمكن لكلٍّ من الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة تحقيق موازنة ميزانيتها عند أسعار أقل. علاوةً على ذلك، فإن هذه الدول الثلاث تمتلك احتياطيات نفطية أكبر بكثير من تلك التي تمتلكها المملكة العربية السعودية، ما يسمح لها بتحمل فترة طويلة من انخفاض أسعار النفط دون أزمات حادة.
وبحسب توقعات الخبراء، فإن احتياطيات المملكة العربية السعودية الحالية ستكون كافية فقط لدعم الاقتصاد الوطني لمدة خمس سنوات في حال استمرار أسعار النفط عند مستوياتها الحالية، وبعد ذلك ستواجه الدولة خطر الإفلاس. ومع ذلك، يجب الأخذ في الاعتبار أن التوقعات تشير إلى أن روسيا قد تواجه التخلف عن سداد الديون إذا انخفض سعر النفط إلى 22.5 دولارًا للبرميل.
من يتفوق على من؟
وبالتالي، فإن الأسعار الحالية للنفط عند 50 دولارًا للبرميل لا تحقق توازنًا في ميزانية المملكة العربية السعودية، ولا تُعتبر مثلى. كما أن الزيادة المحتملة في العرض العالمي للنفط من إيران، وانخفاض تكلفة إنتاج النفط في دول أعضاء آخرين في منظمة أوبك، هي عوامل قد تعيق قدرة المملكة على توسيع وجودها في السوق العالمي للنفط.
ومع ذلك، وحسب رأينا، فإن المملكة تسعى للاستفادة من الوضع الحالي في الاقتصاد العالمي بهدف الحفاظ على حصتها أو توسيعها في سوق النفط العالمي، الذي يمر حاليًّا بأدنى مستوياته، عبر فرض أسعار دمبينغ على «الذهب الأسود».
ورغم أن الأسعار المنخفضة قد لا تساعد المملكة في زيادة حصتها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث تتنافس مع زملائها في منظمة أوبك وإيران، فإنها ستساعدها على تعزيز وجودها في السوق الأوروبي، إذ سيكون من غير المجدي وغير الممكن لروسيا خوض معركة دمبينغ في ظل وضعها الاقتصادي الراهن. وعلى الرغم من أن الدمبينغ السعري سيؤدي على المدى القصير إلى تفاقم اختلال موازنة المملكة واستنزاف احتياطيها النقدي، فإن المملكة تراهن على المدى الطويل على نجاح هذه الاستراتيجية بفضل ارتفاع أسعار النفط بشكل دوري لا مفر منه.

توقعات النفط ستؤثر سلبًا على الروبل
نرى أن هناك خطرًا حقيقيًّا في ظل الظروف الراهنة من فقدان روسيا جزءًا من سوقها التصديرية في أوروبا. وستكون الاستجابة الأولية للسوق الروسي لانخفاض أسعار النفط هي انخفاض فوري واجب وتناسبي في سعر صرف الروبل، نظرًا لأنه عملة مرتبطة بالسلع الأساسية. كما أن فقدان روسيا لحصتها في السوق سيؤدي إلى ضغط إضافي على الروبل، ويسبب انخفاض الإيرادات الحكومية وتفاقم العجز المالي.
وفي حالة تطبيق سياسة الدمبينغ وإعادة توزيع السوق، فإن انخفاض أسعار النفط إلى 30 دولارًا للبرميل قد يؤدي إلى تراجع سعر صرف الروبل إلى ما بين 100 و110 روبل للدولار الأمريكي، ما يضمن إيرادات للميزانية الوطنية تبلغ نحو 3000–3300 روبل للبرميل — وهو المستوى الذي لم تنزل إليه تكلفة البرميل بالروبل خلال العامين الماضيين، وهو أيضًا الحد الأدنى الذي تعتمده وزارة المالية الروسية في تقديراتها.