التحليل الأساسي في سوق الفوركس هو منهجية تُساعد على فهم العمليات العميقة التي تُحدد حركة زوج عملات معين. وغالبًا ما يركّز هذا التحليل على الاتجاهات الطويلة الأجل. وبصورة عامة، الأمر بسيط جدًّا: فالعملة التي تنتمي إلى الدولة ذات معدل النمو الاقتصادي الأعلى وسعر الفائدة الأعلى لدى البنك المركزي هي التي تقوى في الزوج. ومع ذلك، قد لا تنطبق هذه القواعد في بعض الحالات، مثل الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو الكوارث الطبيعية.
ويرفض العديد من المتداولين — ولا سيما المبتدئين — استخدام التحليل الأساسي (FA)، إذ يرونه غير منظمٍ للغاية؛ فالمعلومات الاقتصادية المتوفرة كثيرة جدًّا، ولا توجد أدوات عملية ملائمة لتنظيمها وتحليلها. لكننا اليوم سنحاول إقناعكم بأن المفاهيم الأساسية للتحليل الأساسي بسيطة جدًّا وسهلة التطبيق في التداول.

البنوك المركزية تحكم السوق
من وجهة نظرنا، فإن أقوى عامل أساسي هو السياسة النقدية للبنوك المركزية. فالسياسة «اللينة» (أي أسعار الفائدة المنخفضة والإجراءات النقدية غير التقليدية) تؤدي إلى انخفاض قيمة العملة، بينما تؤدي السياسة «الصارمة» (أسعار الفائدة المرتفعة) إلى تعزيز قيمتها. وكلما ارتفعت أسعار الفائدة، زادت تكلفة الاقتراض من البنك المركزي بالنسبة للبنوك التجارية، أي ارتفعت تكلفة الأموال المقترضة.
وأي البنوك المركزية يجب أن يوليها متداولو الفوركس اهتمامًا خاصًّا؟ إن أقوى لاعب في هذا السياق هو النظام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (FED). ومن الناحية الرسمية، يُعتبر النظام الاحتياطي الفيدرالي منظمة خاصة (شركة مساهمة ذات وضع خاص للأسهم)، لكنه في الواقع يخضع لإشراف الدولة. ومن يناير 2014، شغلت جانيت يلين منصب رئيسة هذا الجهاز التنظيمي الأمريكي، أما سلفها الذي تولى القيادة خلال الأزمة المالية العالمية فهو شخصية معروفة جدًّا: بين برنانكي. وتحت إدارته، تم في عام 2008 خفض سعر الفائدة إلى أدنى مستوى قياسي، ثم أُطلقت برنامج التيسير الكمي (Quantitative Easing, QE). وجاء هذا الإجراء لدعم النشاط الاقتصادي الذي تراجع بشدة بعد أزمة الرهن العقاري. ونتيجة لهذه الإجراءات، انخفض الدولار الأمريكي بشكل كبير أمام معظم العملات العالمية، وبدأ في الأسواق النقدية العالمية ما عُرف بـ«الحروب النقدية»، حيث بدأت أكبر البنوك المركزية في ضخ سيولة رخيصة في اقتصاداتها لدعم النشاط المحلي وتخفيض قيمة عملاتها الوطنية.
وبالحديث عن البنوك المركزية، لا يمكن تجاهل البنك المركزي الأوروبي (ECB)، المسؤول عن صياغة السياسة النقدية لجميع بنوك منطقة اليورو. وقد أُسِّس البنك المركزي الأوروبي عام 1998، وتولى الإيطالي ماريو دراجي رئاسته من عام 2011 حتى عام 2019. واجبرت الظروف البنك المركزي الأوروبي أيضًا على اللجوء إلى سياسة تحفيزية، وأعلن في يناير 2015 عن إطلاق برنامج تيسير كمي على غرار البرنامج الأمريكي. ودفع هذا القرار الاستثنائي الخوف من دخول الكتلة النقدية في «حلقة الانكماش السعري» (الانكماش الاقتصادي). وقد أدّى الإعلان عن هذا البرنامج إلى عمليات بيع واسعة النطاق لليورو.
وبجانب ذلك، نلفت انتباهكم إلى مفهوم التباين (أو الاختلاف) في السياسة النقدية. ومثال جيد على ذلك هو أداء زوج اليورو/الدولار (EUR/USD) في عام 2014. ففي تلك الفترة، كان النظام الاحتياطي الفيدرالي — المسؤول عن سعر صرف الدولار — قد بدأ بالفعل في تشديد سياسته (إيقاف برنامج التيسير الكمي ورفع أسعار الفائدة)، وذلك بسبب التعافي القوي للاقتصاد الأمريكي بعد الأزمة. وشكّلت توقعات التشديد النقدي دعمًا قويًّا للدولار. وفي الوقت نفسه، أعلن البنك المركزي الأوروبي — المسؤول عن سعر صرف اليورو — للتو عن نيته تبني سياسة أكثر ليونة. ونتج عن توقعات التيسير بيع واسع النطاق لليورو. وبالتالي، أصبح بيع زوج اليورو/الدولار خيارًا شبه مضمون للدخول في مراكز بيع (Short Positions) طوال النصف الثاني من عام 2014.

ومثال آخر على التباين النقدي هو هبوط الين الياباني (أي ارتفاع زوج الدولار/الين USD/JPY) في عامَي 2012 و2013. ففي تلك الفترة، كان بنك اليابان ينفذ تحفيزًا نقديًّا عدوانيًّا، بينما كان النظام الاحتياطي الفيدرالي يستعد لإنهاء برنامج التحفيز الخاص به.
ولن نتطرق بالتفصيل إلى جميع البنوك المركزية، لكننا نأمل أن تكونوا قد أدركتم مدى خطورة تجاهل تأثيرها على سوق العملات. ويمكنكم الحصول على معلومات مفصلة عن أنشطة هذه البنوك من مواقعها الرسمية، كما يمكنكم الاطلاع على نصوص قرارات أسعار الفائدة ومحاضر اجتماعات البنوك المركزية باللغة العربية على موقعنا.

اقتصاد ينمو = عملة تُشترى
ويُعد نمو الاقتصاد الوطني عاملًا رئيسيًّا آخر في تحديد الطلب على عملته. وبشكل عام، عند مقارنة عملتين، فإننا نقارن اقتصادي البلدين، وجاذبيتهما الاستثمارية وإمكاناتهما التجارية. ولتقييم حالة الاقتصاد، يستخدم المتداولون المؤشرات الاقتصادية الكلية التي تُنشر بانتظام في التقويم الاقتصادي. وعند صدور المؤشرات المهمة (مثل الناتج المحلي الإجمالي، ومعدل التضخم، ومعدل البطالة، والميزان التجاري، وغيرها)، تزداد تقلبات السوق بشكل ملحوظ. وفي هذه اللحظات، يصبح السوق أكثر «خطورة» للمبتدئين، لكنه في الوقت نفسه يوفر فرص تداول غنية جدًّا.

ويتبنى معظم المحللين منهجية «متوازنة» في التحليل. فبالفعل، من المستحيل تحديد نقطة الدخول المثلى في السوق دون إشارات تحليل فني. ومع ذلك، فإن المؤشرات الفنية تفتقر إلى المعنى الحقيقي دون فهم العوامل الأساسية: فالمتداول الحقيقي يجب أن يدرك ما الذي يحرك السوق. نتمنى لكم تداولًا ناجحًا!