ال هرميدة المالية مصطلحٌ شائعٌ يظهر بين الحين والآخر في الأوساط المالية والإعلامية. وعند سماعه، يتبادر إلى أذهان كثيرين مشروع «إم إم إم» أو قضية بيرنارد مادوف وغيرها من الأمثلة الشهيرة. ومع ذلك، فهي مجرد أمثلة معزولة، أما الفكرة العامة عن طبيعة ال هرميدات المالية وأنواعها المختلفة، فهي نادرة الظهور في التحليلات المعمّقة.


المبدأ العام لل هرميدات المالية: لعبة «الكيس»
يجب القول إن تعريفاً واحداً راسخاً وشاملاً لل هرميدات المالية غير موجود، بل نجد في الغالب وصفاً عاماً مثل «نماذج استثمارية غير خاضعة للرقابة» أو «نماذج أعمال غير مستقرة». لكن ما المقصود بهذه «عدم الاستقرار»؟ ولماذا تنشأ بالفعل؟ هذا ما سنوضحه في هذه المقالة.
توجد في السجل التاريخي عددٌ كبيرٌ من الهرميدات المالية التي قدّمت نفسها تحت عناوين مختلفة، وبُنيتها تبدو عند أول نظرة متنوعة جداً. ومع ذلك، تشترك جميع الهرميدات المالية في مبدأ أساسي واحد، وهو الذي يفسّر سبب انهيارها جميعاً في النهاية.
والسمة الرئيسية لـالهرميدات المالية هي أن الأموال التي يدفعها المشاركون تُعاد توزيعها فقط داخل النظام، دون أن تُستثمر في إنتاج سلع أو تقديم خدمات حقيقية. وبمعنى آخر، لا يزداد المبلغ الكلي للأموال أبداً؛ فهو يظل مساوياً لمجموع المبالغ التي دفعها المستثمرون، وتتغيّر فقط ملكية هذه الأموال. وهذا يشبه تماماً جمع المال في كيس، ثم توزيعه على المشاركين وفق قواعد محددة. ومن الواضح أن جميع المشاركين لا يمكنهم الخروج رابحين من هذه «لعبة الكيس»: فأقصى ما يمكن تحقيقه هو أن يخرج الجميع بلا خسارة، لكن الواقع غالباً ما يكون مختلفاً، إذ تُصمَّم ال هرميدات بحيث يربح المبتدئون الأوائل أكثر مما دفعوا، بينما لا يبقى شيء للمتأخرين. ومن هنا يصبح واضحاً لماذا يجب أن تنهار أي هرميدة مالية sooner or later: فتحقيق الثراء الجماعي عبر إعادة توزيع الأموال فقط أمرٌ مستحيل.
ويُعتبر تنظيم مثل هذه ألعاب «الكيس» احتيالاً، وهو ممنوع قانونياً في معظم الدول (بما فيها روسيا وأوكرانيا). ومع ذلك، تظهر ال هرميدات المالية تحت عناوين مختلفة رغم القيود القانونية — فلماذا؟ إن معظم منظمي هذه ال هرميدات يجذبون المشاركين عبر وعودٍ بعوائد استثمارية عالية جداً، في حين يُقبل المشاركون على هذه العروض بثقة زائدة، دون التحقق من شرعيتها، بل وأحياناً دون أن يدركوا حتى أنهم يشاركون في «لعبة كيس» ذات نهاية حتمية.
نوعان رئيسيان من ال هرميدات المالية
تنقسم جميع ال هرميدات المالية إلى نوعين رئيسيين:
- الهرميدات متعددة المستويات؛
- نماذج بونزي.
الهرميدة متعددة المستويات
تعتمد هذه الخطة على أن كل مشارك جديد (مبتدئ) يدفع أولاً رسوم دخول. وتُقسَّم هذه الرسوم فوراً بين الشخص الذي دعا المبتدئ، وبين من دعاه هم أيضاً — أي المشاركين السابقين في ال هرميدة. وبعد دفع رسوم الدخول، يتوجب على المبتدئ دعوة شخصين أو أكثر، وتذهب رسوم دخولهم الجديدة إلى نفعه وإلى نفع المشاركين السابقين. وهكذا تتواصل العملية من مستوى إلى مستوى.

وتختلف العوائد الموعودة باختلاف قواعد الهرميدة: مثل قيمة رسوم الدخول وعدد المشاركين الجدد الذين يجب أن يجلبهم كل «مبتدئ». وعلى سبيل المثال، إذا كانت القواعد تطلب من كل مشارك جلب ثلاثة أشخاص، وكانت رسوم الدخول ١٠٠٠ روبل، وتُقسَّم هذه الرسوم بالتساوي بين الداعي ومن دعاه، فإن الحساب البسيط يشير إلى أنك ستنفق ١٠٠٠ روبل للدخول، وستحصل في النهاية على ٦٠٠٠ روبل (١٥٠٠ روبل من الثلاثة أشخاص الذين دعوتهم، و٤٥٠٠ روبل من التسعة الذين سيجلبهم هؤلاء الثلاثة). وبذلك تصل العائدية إلى ٥٠٠٪، وهي نسبة تثير الإعجاب حقاً مقارنةً بعوائد الودائع المصرفية.
لكننا ناقشنا سابقاً سبب انهيار أي لعبة «كيس». والسبب في انهيار الهرميدة متعددة المستويات هو أن عدد المشاركين يجب أن ينمو بسرعة كبيرة جداً (بنمو أسي) لضمان استمرار العمل. وبهذه الوتيرة السريعة، لا يكفي أحياناً حتى إجمالي سكان الدولة لتغطية أول ١٠–١٥ مستوى من المشاركين الجدد. ومن الطبيعي أن ينتهي الأمر بمن دفعوا رسوم الدخول دون أن يجدوا مشاركين جدد، فلا يحصلون على أي عائد. وغالباً ما يتجاوز عدد هؤلاء المشاركين الذين يخرجون خاسرين نسبة ٨٠–٩٠٪ وفق الإحصاءات.
الهرميدة المالية — نموذج بونزي
سُمي هذا النموذج على اسم الأمريكي تشارلز بونزي، الذي أطلق هذا النوع من ال هرميدات في الولايات المتحدة في أوائل عشرينيات القرن العشرين. وعلى الرغم من أن نماذج مشابهة كانت معروفة سابقاً، فإن نموذج تشارلز بونزي كان الأول الذي جذب أعداداً هائلة من المشاركين، ما جعله يحظى بتغطية إعلامية واسعة في أمريكا.
جوهر هذه الصيغة من «لعبة الكيس» هو أن منظمها يدعو المشاركين لإيداع أموالهم، ويعدهم بعوائد استثمارية عالية جداً، بل وأحياناً «مضمونة»، بعد فترة قصيرة. ولا يُطلب من المشاركين جلب آخرين؛ فكل ما عليهم فعله هو الانتظار. ويقوم