غالبًا ما يركّز المتداولون عند تصميم الاستراتيجيات التداولية على تحقيق أقصى عائد ممكن. ومع ذلك، فإن الأهم ليس رفع العائد المتوقع، بل خفض المخاطر المحتملة التي تُقاس بأقصى تراجع (Maximum Drawdown).
ويُعد مؤشرًا بسيطًا لكنه موثوقًا نسبيًّا لتقييم كفاءة الاستراتيجية التداولية هو حساب نسبة العائد إلى أقصى تراجع خلال الفترة المدروسة، ويُعرف هذا المؤشر باسم عامل الاسترداد (Recovery Factor). فعلى سبيل المثال، إذا كان العائد السنوي للنظام 45%، وأقصى تراجع بلغ 15%، فإن عامل الاسترداد يساوي 3.
وعند مقارنة نظامين مختلفين من حيث العائد والتراجع، يكون النظام الأفضل هو الذي يمتلك عامل استرداد أعلى. فمثلاً، نظام يحقق عائدًا سنويًّا قدره 30% مع تراجع قدره 5% أفضل من نظام آخر يحقق عائدًا سنويًّا قدره 100% مع تراجع قدره 40%. ويمكن تعديل العائد بسهولة لتحقيق القيمة المطلوبة باستخدام التمويل بالهامش، أما حصة المخاطرة في العائد فهي غير قابلة للتغيير، إذ تُشكّل خاصية جوهرية لا تنفصل عن النظام. وبزيادة العائد، تزداد المخاطر تلقائيًّا.
ومع ذلك، يمكن خفض المخاطر الإجمالية للمحفظة عبر تطبيق التنويع، أي عدم الاعتماد على استراتيجية واحدة فقط، بل توزيع رأس المال بين مجموعة من الأنظمة المختلفة. وفي هذه الحالة، لا يتزامن التراجع في كل نظام مع التراجع في الأنظمة الأخرى بالضرورة، لذا نتوقع عمومًا حدوث أقصى تراجع إجمالي أقل، بينما يقتصر تأثير ذلك على متوسط العوائد. وإذا كانت الأنظمة مترابطة بشكل ضعيف (أي تعتمد على استراتيجيات مختلفة أو تتعامل مع أدوات مالية مختلفة)، فمن المرجح أن يعوّض ارتفاع رأس المال المتاح (Equity) في نظام ما الانخفاض في نظام آخر. وكلما زادت درجة الاستقلالية بين الاستراتيجيات والأدوات، زاد تخفيف المخاطر الكلي.
بل وقد تصل الأمور إلى درجة أن يكون من المنطقي إضافة استراتيجية ذات عائد سلبي متوقع إلى المحفظة. وعلى الرغم من انخفاض العائد الإجمالي قليلًا، قد ينخفض الخطر بشكل أكبر، مما يؤدي في المجمل إلى رفع كفاءة المحفظة.
من الناحية النظرية، يمكن تحقيق أدنى مستوى ممكن من المخاطر — بل وحتى كفاءة مرتفعة جدًّا — عبر إضافة المزيد من الاستراتيجيات والأدوات تدريجيًّا إلى المحفظة. لكن في الواقع، يصطدم هذا الهدف حتمًا بمشكلة الترابط بين الاستراتيجيات المختلفة والأدوات المالية. وأهم محاور التنويع هي:
- التنويع حسب الاستراتيجيات التداولية.
- التنويع حسب معايير الاستراتيجيات التداولية.
- التنويع حسب الأدوات المالية.
- التنويع حسب الأسواق.
التنويع حسب الاستراتيجيات التداولية
تستند كل استراتيجية تداولية إلى خاصية عامة في السوق أو في الأداة المالية التي يمكن استغلالها لتحقيق الربح. فمثلًا: ميل السوق لتكوين اتجاهات (Trends)، أو استمرار حركة السعر بعد اختراق مستوى مقاومة قوي.
فإذا وُجدت عدة أنظمة تستند إلى مبادئ مختلفة تمامًا، فإن توزيع رأس المال بينها يمكن أن يقلل المخاطر بشكل كبير. فالأنظمة قد تختلف جذريًّا في طبيعتها الداخلية، وبالتالي تكون ترابطها ضعيفًا جدًّا. فعلى سبيل المثال، تتشابه أنظمة تتبع الاتجاه وأنظمة اختراق المستويات إلى حدٍ ما، وتُظهر غالبًا منحنيات لرأس المال المتاح متشابهة. أما أنظمة تتبع الاتجاه والاستراتيجيات المضادة للاتجاه (Counter-trend)، فغالبًا ما تظهر ترابطًا سالبًا: حيث تفشل الأولى وتربح الثانية، مما يخفض المخاطر الكلية للمحفظة بشكل ملحوظ.
وهذا النوع من التنويع لا يخضع نظريًّا لأي حدود عميقة، ويعتمد فقط على القدرات الإبداعية لـ المتداول في ابتكار أنظمة جديدة. ولذلك، فإن الاستمرار في البحث الدائم عن استراتيجيات تداول جديدة يُعدّ الطريق الأكثر أمانًا لرفع كفاءة وربحية التداول.
التنويع حسب معايير الاستراتيجيات التداولية
خذ على سبيل المثال استراتيجية تتبع الاتجاه بسيطة تعتمد على اختراق قناة سعرية. وتتخلص معلمتها الوحيدة في عدد الشموع السعرية التي تُحسب بها أعلى وأدنى سعر. فإذا تم اختراق أعلى سعر، يُعتبر ذلك إشارة لبدء اتجاه صاعد، فيُفتح أمر شراء. ويُحتفظ بالمركز حتى يتم اختراق أدنى سعر، والذي يُفسَّر كبداية اتجاه هابط، فيُعكس المركز إلى بيع (Short).
هذه الاستراتيجية البسيطة تحقق نتائج جيدة على الأدوات المالية التي تميل إلى التحركات الاتجاهية. ولنفترض أنها تؤدي أداءً مرضيًّا ضمن نطاق يتراوح بين 10 و100 شمعة. وعادةً ما يكتفي المتداولون بتحديد المعلمة التي تحقق فيها الاستراتيجية أفضل أداء، ثم يتداولون بنظام واحد فقط بهذه المعلمة. لكن بتوزيع رأس المال والمتاجرة بنفس الاستراتيجية مع معلمات مختلفة في وقت واحد، يمكن الحصول على نتائج أكثر استقرارًا.
فمثلًا، إذا استخدم المتداول ثلاثة أنظمة بطول قناة 10 و30 و100 شمعة، فإن كل نظام سيتفاعل مع اتجاهات ذات أحجام مختلفة: فالنظام ذي القناة الطويلة يلتقط الاتجاهات الطويلة فقط، بينما يتجاهل الصغيرة؛ أما النظام ذي القناة القصيرة فيتعامل بكفاءة مع الاتجاهات القصيرة. وهكذا، تُدار التقلبات السوقية بكفاءة أعلى، وتختلف منحنيات رأس المال المتاح بين الأنظمة الثلاثة، مما يخفض مخاطر هذه المحفظة المتنوعة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الاقتصار على نظام واحد بمعلمة ثابتة يزيد من خطر فشله بسبب تكوّن ظروف سوقية غير مواتية له. أما عبر التنويع حسب المعلمات، فيمكن توقع أداء قريب من متوسط كفاءة الاستراتيجية دون التعرض لمخاطر تزامن ظروف سوقية غير مواتية مع معلمة محددة. وإذا كانت الاستراتيجية مرتبطة ارتباطًا جامدًا بعدد الشموع ولا يمكن تعديل المعلمة، فيمكن تجربة تغيير الإطار الزمني (Timeframe) بدلًا من ذلك.
وعادةً ما تسمح الاستراتيجية الناجحة بإنشاء أنظمة رابحة ضمن نطاق واسع نسبيًّا من المعلمات، رغم أن هذا النطاق محدود. فنظرًا لأن الصفقات ليست مجانية (وتتضمن عمولة الوسيط، والانزلاقات، وفروقات الأسعار Spread)، فإن متابعة التقلبات الصغيرة غير مجدية من حيث التكلفة، لأن العائد المتوقع يصبح مماثلًا لتكلفة الصفقة. ومن ناحية أخرى، فإن التقلبات الطويلة جدًّا لا تهم غالبًا المتداولين قصيري الأجل.
وبالتالي، فإن التنويع حسب المعلمات له حدٌّ لفعاليته، لأن محدودية نطاق المعلمات تعني محدودية أنواع التحركات السوقية التي يمكن لهذه الاستراتيجية المحددة أن تستفيد منها. وترتفع هذه الفعالية كلما كانت الفكرة الأساسية في الاستراتيجية متوافقة أكثر مع سلوك السوق الفعلي.
التنويع حسب الأدوات المالية
من المنطقي توقع أن تتحرك أسعار الأدوات المختلفة بطرق مختلفة. فأسعار الأسهم تتأثر بشدة بالأخبار الداخلية للشركات والتغيرات في وضع الشركة. وبطبيعة الحال، لكل شركة ظروفها الخاصة التي تتطور بشكل مستقل. ولذلك، يبدو من المعقول توزيع رأس المال والمتاجرة بالاستراتيجيات المتاحة على أدوات مالية مختلفة. ومن ناحية أخرى، هناك خلفية اقتصادية عامة تؤدي إلى تحرك الأسهم المختلفة في نفس السوق بشكل متزامن نسبيًّا. فالأحداث والاتجاهات الاقتصادية تؤثر بطريقة مماثلة على مشاعر المتداولين والمستثمرين. وبالطبع، هذا الترابط ليس كاملاً، وإلا لما كان هناك معنى للحديث عن التنويع. ومع ذلك، فإن هذا الترابط يفرض حدًّا معينًا على كفاءة المحفظة ككل.
وبالإضافة إلى ذلك، قد تكون الاستراتيجية الواحدة قابلة للتطبيق على عدد محدود من الأدوات. فعلى سبيل المثال، في السوق المحلي، ستقتصر الأدوات المتاحة على الأسهم عالية السيولة، والتي لا تتوفر بكثرة. وقد تمنع التكاليف التشغيلية العالية الناتجة عن انخفاض السيولة المتاجرة بالأسهم الأخرى.
وحتى في الأسواق الأوسع التي تتيح تنوعًا أكبر في الأسهم، فإن عدد الأدوات المناسبة لنظام معين سيكون محدودًا دائمًا. فبالكاد يمكن تصميم استراتيجية رابحة تعمل بكفاءة على جميع أدوات السوق.
التنويع حسب الأسواق
تتيح التقنيات الحديثة للمستثمر الفردي — ناهيك عن المؤسسات المالية — المشاركة في التداول على أسواق متنوعة حول العالم. وأكثر الأسواق سهولةً للمتداول المحلي هو السوق المحلي للأسهم. فالعمولة المرنة والأسعار المنخفضة على العقود القياسية تسمح بالبدء في التداول برأس مال صغير جدًّا.
وبوجود رأس مال كافٍ، تظهر إمكانية التنويع عبر التداول في أسواق أخرى: مثل سوق الفوركس، وأسواق الأسهم الأمريكية والأوروبية ودول أخرى، والأسواق السلعية. ويُعد من أبرز مزايا هذا النوع من التنويع أن الأسواق المختلفة غالبًا ما تكون مترابطة بشكل ضعيف جدًّا، وبالتالي فإن الأنظمة المتداولة على أسواق مختلفة تُخفف من بعضها البعض بكفاءة عالية.
وبالتالي، يُعتبر التنويع الوسيلة الأساسية لتعظيم الكفاءة من الاستراتيجيات التداولية المتاحة لدى المتداول. فحتى لو امتلك متداول واحد استراتيجية واحدة مستقرة كافية، يمكنه مضاعفة كفاءة تداوله عدة مرات عبر توظيفها الذكي والمنهجي في مجالات تطبيق جديدة باستمرار. أما إذا كان يبحث باستمرار عن استراتيجيات جديدة للتداول في السوق، فإن آفاق تحقيق الأرباح تتوسع بشكل كبير. وفي هذه الرحلة، لا يشكل سوى الإصرار والقدرات الإبداعية للمتداول الحد الأقصى لما يمكن تحقيقه.