سوق الفوركس لا يزال شابًّا نسبيًّا، فقد بدأ يكتسب ملامحه الحديثة في الفترة من 1971 إلى 1978 مع انهيار نظام بريتون وودز. ومع ذلك، يشهد نموًّا سريعًا جدًّا؛ ففي عام 2024 ارتفع متوسط الحجم الشهري للتداول أكثر من الضعف مقارنةً بالعقد السابق. ويتطور سوق الفوركس ككائن حيٍّ، ويستمر في التطور والارتقاء. وتتغير تدريجيًّا نماذج العمل في سوق العملات الأجنبية. وفي هذه المقالة، سنستعرض أبرز هذه النماذج، مع تسليط الضوء على مزاياها وعيوبها.
يوجد نموذجان رئيسيان لعمل وسطاء الفوركس: النموذج الوكالي ونموذج صانع السوق.

نموذج صانع السوق أو نموذج «المطبخ» لوسطاء الفوركس
يُفترض في نموذج صانع السوق أن السوق خارج البورصة، أي أن أوامر العملاء تُعالج داخليًّا داخل الشركة نفسها.
ويحصل صانع السوق على الأسعار من البنوك أو أنظمة الأخبار مثل «رويترز» و«داو جونز» و«بلومبرغ». أما السبريد فهو أعلى من السبريد السوقي، بل وقد يكون ثابتًا في حالات نادرة.
ولهذه النماذج التجارية عيب جوهري: غالبًا ما تكون الشركات متحمّسة لخسارة العميل لأمواله، لأن تلك الخسارة تتحول مباشرةً إلى ربح للوسيط.
أما الشركات الكبيرة ذات السمعة الطيبة، والتي تحمل تراخيص هيئات تنظيمية مرموقة مثل سيسيك أو إف سي إيه، فإنها تنفذ الصفقات دون تدخل غرفة التداول (وتُعرف هذه الآلية باسم نموذج «غير مرتبط بغُرفة التداول»). وتُخضع هذه الشركات باستمرار لفحوصات دورية تتعلق بالانزلاقات السعرية، والأسعار المعروضة، وسرعة تنفيذ الصفقات. كما تراقب الهيئات التنظيمية أعمالها بدقة: فعلى سبيل المثال، في فبراير 2014، فرضت هيئة السلوك المالي البريطانية (إف سي إيه) غرامة غير مسبوقة قدرها 4 ملايين جنيه إسترليني على وسيط فوركس أمريكي كبير هو «FXCM» بسبب «استخدام ممارسة الانزلاقات السعرية غير المتناظرة» وغياب الشفافية أمام الجهة الرقابية. وطُبقت غرامات مماثلة على شركات مشهورة أخرى في سنوات مختلفة، ويمكن العثور بسهولة على معلومات عنها عبر محركات البحث.
أما إذا كان الوسيط مسجلًا في جزر العذراء أو في ولايات قضائية خارجية أخرى، فيجب حينها التوقع لأساليب غير شفافة وغير نزيهة، مثل تأخير تنفيذ الصفقات أو التداول بأسعار غير سوقية. وتسعى هذه الشركات بكل الوسائل إلى جعل العميل المربح يخسر أمواله، لأن ربح العميل يعني خسارة مباشرة للشركة.
وعادةً ما تُصاغ عقود هذه الشركات بطريقة تجعل تقديم أي شكوى أو اعتراض مستحيلاً تقريبًا. ولهذا السبب بالذات، فإن عدد الشركات المرخصة رسميًّا لتوفير الوصول إلى سوق الفوركس في روسيا محدود جدًّا، بينما تُعتبر جميع الشركات الأخرى خارج نطاق القانون.
وتبني هذه الشركات استراتيجيتها التسويقية على نقاط الضعف الإنسانية: فللطمع والكسل، تقدم مشروبًا حلوًا من المكافآت، والربح السريع دون مخاطر، والدخل الثابت. وللكبرياء، تقدّم جوائز مُشتراة لا قيمة فعلية لها. وللتسلية، تنظم حملات جذابة ومُلفتة للانتباه، وهكذا دواليك.

النموذج الوكالي: وسيط فوركس يحتاج إلى متداول مربح
أما النموذج الوكالي فيعني، على العكس من ذلك، توجيه جميع مواضع العملاء إلى السوق بين البنوك عبر وسيط أولي (برايم بروكر). وعادةً ما يكون هذا الوسيط الأولي بنكًا كبيرًا. وعندما ينقر العميل على زر «بيع» أو «شراء»، تنتقل طلبه عبر الوسيط الأولي إلى مجموعة السيولة، حيث تتنافس البنوك على تقديم أفضل سعر لطلب العميل (وتكسب البنوك من هذه العمليات). وتقوم نظام خاص يُسمى «مجمع السيولة» باختيار أفضل عرض سعري وتقديمه للعميل.
وللتوقيع على عقد مع وسيط أولي، يجب أن تكون أنشطة وسيط الفوركس شفافة تمامًا، وأن يمتلك التراخيص اللازمة من هيئات تنظيمية مرموقة. وفي إطار النموذج الوكالي، تكون هوامش السبريد دائمًا متغيرة، لأن موردي السيولة هم من يحددونها، وهم يختلفون باستمرار. ويضيف وسيط الفوركس هامش ربح (مارك آب) إلى السبريد، يشمل رسوم مجمع السيولة، والوسيط الأولي، وأرباح الشركة نفسها. وبشكل أساسي، تكون الشركة مهتمة بحجم كبير من عمليات العملاء، وكذلك باستمرار وجود عملائها في سوق الفوركس لفترة طويلة.
لماذا لا تنتقل جميع الشركات إلى النموذج الوكالي؟
إن التخلي عن نموذج صانع السوق يعني خسارة جزء كبير من الأرباح. فلننظر إلى الأرقام: يحقق صانع السوق ما يصل إلى 200 دولار أمريكي من كل مليون دولار أمريكي من حجم التداول، بينما يحقق النموذج الوكالي فقط 70–80 دولارًا أمريكيًّا لنفس الحجم. وبالتالي، لكي تعمل الشركة وفق النموذج الوكالي، يجب أن تستوفي أولًا جميع المتطلبات التنظيمية، وأن تمتلك ثانيًا حجم تداول كبير جدًّا، يكفي ليس فقط لتغطية جميع التكاليف، بل ويُحقِّق أيضًا ربحًا.
ويرى العديد من الخبراء الموثوقين في القطاع أن المستقبل ينتمي للنموذج الوكالي، إذ إنه يمثل بوضوح مبدأ أخلاقيًّا في التعامل مع العملاء.
كما تلعب التجارة الخوارزمية دورًا مهمًّا لا يقل أهمية، وهي تكتسب شعبية متزايدة عامًا بعد عام. وبفضل الروبوتات التداولية، يزداد تكرار الصفقات، وبالتالي تزداد أرباح وسيط الفوركس الذي يعمل وفق النموذج الوكالي.
وهناك رأي يرى أنه مع مرور الوقت سيكون من الممكن دمج جميع الوسطاء في شبكة واحدة عامة للتجارة الإلكترونية (ECN). وعندها ستُنفذ مواضع العملاء ضمن فضاء تداول موحد. لكن هذا الأمر لا يزال صعبًا للغاية من الناحية التقنية، ويتطلب من القطاع رحلة تطورية طويلة.
وذات يوم، قال رجلٌ من الهيبيين حافي القدمين، الذي كان يتبع حمية تفاحية، إن لم يبتكر أحد أصدقائه اسمًا أفضل لشركته، فسيطلق عليها اسم «أبل». وبعد بضعة عقود فقط، لم تعد هناك حاجة لتعريف ستيف جوبز وشركة «أبل». وربما يكون المستقبل أقرب مما نتصور.