أصبح الكاش باك منذ زمنٍ بعيد أحد أبرز الوسائل لجذب العملاء إلى بطاقة معينة. ويعيد البنوك جزءًا من قيمة المشتريات إلى العملاء نقدًا أو نقاطًا أو أميالًا، بل وقد تقدِّم مكافآت مُعزَّزة لدى تجار محددين.
ومن النظرة الأولى، قد تبدو هذه الآلية غريبة: فلماذا تُعيد البنوك أموالًا للعميل مقابل عمليات شراء يقوم بها أصلًا؟ والسبب يكمن في اقتصاد المعاملات بالبطاقات المصرفية.
فكل عملية دفع تُولِّد تدفقات مالية بين التاجر وبنكه ونظام الدفع والجهة المصدرة للبطاقة. كما أن العميل النشط قد يدرُّ دخلًا إضافيًا عبر منتجات مالية أخرى.
وبالتالي، فإن الكاش باك ليس هبةً، بل أداة تنافسية تهدف إلى الاستحواذ على حجم أكبر من المعاملات المدفوعة بالبطاقات وبناء علاقات طويلة الأمد مع العميل.
المحتويات
- ما هو الكاش باك ومن أين تأتي الأموال؟
- كيف يربح الجهة المصدرة للبطاقة من عمليات الشراء بالبطاقة؟
- لماذا يُعدُّ إرجاع جزء من الدخل للعميل أمرًا مربحًا؟
- من أين يأتي الكاش باك المُعزَّز؟
- لماذا تكتسب القيمة الإجمالية للعميل أهميةً بالغة؟
- متى يكون برنامج الكاش باك مربحًا فعليًّا؟
ما هو الكاش باك ومن أين تأتي الأموال؟
الكاش باك هو إعادة جزء من قيمة عملية الشراء. فإذا كانت نسبة البرنامج ٢٪، فإن العميل الذي ينفق ١٠٠٠ روبل قد يحصل على ٢٠ روبل، شرط استيفائه لشروط البرنامج.
مصدر هذه الأموال لا يكون دائمًا واحدًا. فبعض البرامج تمولها البنوك من عمولتها الخاصة. وفي حالات أخرى، تتقاسم التكلفة مع المتجر أو الشريك الآخر. كما قد تكون المكافأة جزءًا من الميزانية التسويقية العامة: فالبنك مستعدٌ لأن ينفق مبلغًا معيَّنًا لتشجيع العميل على استخدام بطاقته أكثر، وتجنبه منتجات المنافسين.
ولفهم هذه الآلية، يجب أولًا توضيح ما يحدث عند إتمام عملية دفع نموذجية.
كيف يربح الجهة المصدرة للبطاقة من عمليات الشراء بالبطاقة؟
في المعاملة القياسية بالبطاقة، تشارك عدة أطراف:
- الجهة المصدرة (Emittent): تصدر البطاقة وتتولى خدمة مالكها.
- الجهة المستلمة (Acquirer): توفر للمتجر إمكانية قبول الدفعات بالبطاقات.
- نظام الدفع: يربط الأطراف ويحدد القواعد التي تحكم معالجة العمليات.
- التاجر: يستقبل الدفعة ويدفع مقابل الخدمات المرتبطة بها.
ويقوم المتجر عادةً بتحويل ما يُعرف بـ «رسوم خدمة التاجر» أو «معدل خصم التاجر» إلى الجهة المستلمة. ويتحدد حجم هذه الرسوم وفق شروط العقد، وقد تتضمَّن عدة مكونات.
ومن أبرز هذه المكونات «رسم التبديل البنكي» (Interchange Fee)، وهو مكافأة تُدفع بين الجهة المستلمة والجهة المصدرة عند كل عملية دفع بالبطاقة. وتعرِّف شركة «فيزا» هذا الرسم بأنه دفعة بين البنك المستلم والجهة المصدرة. كما توضح شركة ماستر كارد أن هذه المكافأة تُحوَّل عادةً من الجهة المستلمة إلى الجهة المصدرة، وتُعدُّ جزءًا من تكلفة قبول الدفعات بالنسبة للتاجر.
وبصورة مبسَّطة، يسري تدفق الأموال كما يلي:
يدفع العميل ثمن السلعة → يدفع التاجر مقابل قبول البطاقات → ويذهب جزء من هذه المبلغ عبر نظام الدفع إلى الجهة المصدرة.
ولذلك، فإن عدد العملاء ليس العامل الوحيد المهم للجهة المصدرة، بل إن نشاطهم في الدفع بالبطاقات له وزنٌ كبير. فقد لا يدفع العميل أي رسوم صيانة على بطاقته، لكنه يشتري بانتظام، وكل عملية شراء تُولِّد عمولة محتملة.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار رسم التبديل البنكي ربحًا صافيًا. إذ يجب دفع تكاليف معالجة العمليات، والبنية التحتية التقنية، ومكافحة الاحتيال، وخدمة العملاء، وإصدار البطاقات وصيانتها، وكذلك برامج الولاء.
وتتفاوت أحجام العمولات اختلافًا كبيرًا بين الدول وأنواع البطاقات. كما تخضع في بعض الدول لقيود تشريعية إضافية، ما يجعل اقتصاد الكاش باك يختلف بشكل ملحوظ من دولة لأخرى.
لماذا يُعدُّ إرجاع جزء من الدخل للعميل أمرًا مربحًا؟
لنفترض أن للعميل ثلاث بطاقات من بنوك مختلفة. فلكي تكتسب الجهة المصدرة ميزة تنافسية، لا يكفي أن تكون بطاقته موجودة في محفظة العميل، بل الأفضل أن تكون البطاقة التي يدفع بها الجزء الأكبر من نفقاته اليومية. وهنا تظهر أهمية الكاش باك.
فإذا لم تُعدْ إحدى البطاقات شيئًا، بينما تمنح الأخرى مكافأة على المشتريات المعتادة، فإن العميل يجد سببًا إضافيًّا لاختيار الثانية. وكلما زاد تكرار ذلك، زاد حجم المعاملات المُنفَّذة عبرها. وهكذا يتحقق تبادل المنافع: يحصل العميل على جزء من قيمة مشترياته، بينما تحصل الجهة المصدرة على حصة أكبر من نشاطه المالي.
غير أن التقييم لا يُبنى على معاملة واحدة فقط. فقد تفوق قيمة المكافأة المدفوعة عن عملية شراء معيَّنة الإيرادات العمولية المباشرة المرتبطة بها. وهذا لا يعني بالضرورة أن البرنامج خاسِر: فالمنظمة المالية تُقيِّم سلوك العميل على مدى أطول.
وفي هذا السياق، يشبه الكاش باك النفقات الإعلانية لأي مشروع تجاري تقليدي: حيث تضحّي الشركة بجزء من إيراداتها الحالية لضمان

