في 24 يناير، ضعفت الجنيه الاسترليني بشكل حاد بعد أن كان قد اكتسب زخماً خلال اليومين السابقين. ويعود سبب هذه الحركة المفاجئة إلى تصريحٍ أطلقه مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا، ما أثار دهشة المشاركين في السوق. فقد أعلن كارني أن لجنة السياسة النقدية ستحدد في اجتماعها المقرر عقده في فبراير هدفاً جديداً للسياسة النقدية.

نُشرت هذه المقالة في العدد 81 من مجلة ForTraders.org
بنك إنجلترا: تغيير في الأهداف التوجيهية
خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2013 في دافوس، وقبل تولّيه منصب محافظ بنك إنجلترا خلفاً لميرفين كينغ، وكان حينها يشغل منصب محافظ بنك كندا، صرح مارك كارني بأن سياسة بنك إنجلترا ستتغير جذرياً مع تولّيه المنصب. ورأى كارني أن البنوك المركزية العالمية يجب ألا تتردد في اتخاذ إجراءات جريئة لتحفيز اقتصاداتها الوطنية. وعلى الرغم من أن تعليقات كارني استهدفت جميع البنوك المركزية الكبرى، فإن السوق فسّرها على أنها مؤشرٌ على تغييرات قادمة في السياسة النقدية للجهة التنظيمية البريطانية.
وفي يوليو 2013، تولّى مارك كارني منصبه كمحافظ لبنك إنجلترا. وعند ذلك الوقت، بلغ سعر صرف الزوج العملاتي GBP/USD أقل من 1.5000. وربط المشاركون في السوق تولي كارني لهذا المنصب بمرحلة جديدة من التحفيز المالي للاقتصاد البريطاني.
إلا أن المثل الروسي القائل «ظننت الأمر هكذا، لكن النتيجة كانت غير ذلك» ينطبق تماماً هنا: فقد انفصل السيناريو الفعلي عن توقعات السوق. فلم تطرأ أي تغييرات جوهرية على سياسة بنك إنجلترا. وفي اجتماع لجنة السياسة النقدية في أغسطس، أعلنت اللجنة عن اعتماد نهج أكثر انفتاحاً في الاتصالات. وحددت إدارة البنك معدل البطالة عند 7% كهدف توجيهي لتغيير سعر الفائدة، الذي كان آنذاك عند أدنى مستوى تاريخي له البالغ 0.5%. وفي تلك الفترة (النصف الثاني من عام 2013)، أظهرت المؤشرات الاقتصادية البريطانية ديناميكية إيجابية مستقرة. وجدير بالذكر أن بنك إنجلترا لم يتخذ أي إجراءات استثنائية لتحقيق هذه النتائج. ونظراً لارتفاع التوقعات بشأن استمرار التعافي الاقتصادي، وبالتالي رفع سعر الفائدة، تشكّل طلبٌ ثابتٌ على الجنيه الاسترليني، ما دفع الزوج GBP/USD إلى أعلى مستوى له منذ عامين عند 1.6670.
في 22 يناير، أحدث مكتب الإحصاءات الوطني البريطاني صدمةً في السوق بإصداره بيانات البطالة لشهر نوفمبر 2013، حيث انخفض معدل البطالة من 7.4% في أكتوبر إلى 7.1%، متفوقاً على التوقعات التي كانت تشير إلى 7.3%، واقترب بذلك من الهدف التوجيهي الذي حددته بنك إنجلترا. ثم، وفي 24 يناير أثناء خطابه في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، نفى مارك كارني حالة الهوس السائدة في السوق، مؤكداً أن انخفاض البطالة تجاوز جميع توقعات إدارة البنك. ومع ذلك، رأى محافظ البنك أن الوقت لا يزال غير مناسب لرفع سعر الفائدة. فلكي يتخلّى البنك عن تدابير الطوارئ في سياسته النقدية، يجب أن يكون التعافي الاقتصادي منتظماً ومنهجياً. ولتحقيق ذلك، يحتاج المُنظِّم إلى استراتيجية جديدة للأهداف التوجيهية تعكس الصورة التضخمية الأكثر توازناً في البلاد، وكذلك مؤشرات سوق العمل.
وبطبيعة الحال، لم يفت كارني التأكيد على أن أي رفع محتمل لأسعار الفائدة سيكون تدريجياً. كما أن استمرار حجم التحفيز المالي عند مستوياته الحالية لفترة إضافية سيعتبر دليلاً على استقرار التعافي الاقتصادي بالنسبة للشركات البريطانية.
وتُعرض سياسة الأهداف التوجيهية، التي اعتمدها العديد من البنوك المركزية حول العالم، باستمرار لانتقادات الخبراء باعتبارها مضللة للمشاركين في السوق. فعلى سبيل المثال، صرح رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بين برنانكي العام الماضي بوضوح أن بلوغ معدل البطالة المستوى التوجيهي البالغ 6.5% لا يعني بالضرورة رفعاً تلقائياً لسعر الفائدة.
سعر الفائدة: الرفع ضروري أم لا يمكن تركه؟
وفي الوقت نفسه، حذّر خبراء المركز التحليلي البريطاني من أن رفع سعر الفائدة سيسبب مشكلات جسيمة لملايين السكان البريطانيين، خاصةً فيما يتعلق بزيادة الضرائب والمدفوعات الشهرية على قروض الرهن العقاري.
ويرى أبرز الاقتصاديين البريطانيين أن رفع أسعار الفائدة سيؤثر تأثيراً جوهرياً على استقرار الاقتصاد وقد يؤدي إلى أزمة مالية. إذ سيؤدي العودة إلى مستويات ما قبل الأزمة إلى فرض مبلغ إضافي قدره 3000 جنيه استرليني سنوياً على معظم الأسر البريطانية لسداد قروض الرهن العقاري.
فإذا رفع بنك إنجلترا سعر الفائدة إلى 3% (مستوى نوفمبر 2008)، فإن نحو مليون أسرة ستواجه ارتفاعاً في حجم الضرائب المستحقة عليها. أما إذا ارتفع السعر إلى 5% (مستوى أبريل–سبتمبر 2008)، فستخصص نحو مليوني أسرة ما يقارب نصف دخلها الشهري لسداد قروض الرهن العقاري. ويجب أخذ الواقع الإحصائي في الاعتبار، إذ إن مؤشرات سداد القروض في المملكة المتحدة تبدو أسوأ بكثير مما هي عليه في دول أخرى. ويوضح المحللون أن السبب الرئيسي لهذه الديناميكية هو انخفاض الأجور.
وبالتوازي مع ذلك، تتوقع ش