خلال الأشهر الأخيرة، لم تتوقف موجة الأسئلة: هل ستشهد الاقتصادات العالمية أزمةً جديدةً؟ وهل ستنهار منطقة اليورو فعليًّا؟ وفي النهاية، ما المعايير الموضوعية التي تُعتبر دلائلَ حقيقيةً على بدء مرحلة اقتصادية حرجة في أي دولة؟ دعونا نقارن هذه المعايير مع الحقائق الأساسية والعوامل الاجتماعية (مستندين في الأساس إلى الأخبار الواردة من وسائل الإعلام).

أزمة؟ ذلك رهن منظور الرائي!
تراجعت أهمية استيعاب ظواهر الأزمة في الاقتصاد العالمي اليوم لتحتل مرتبة ثانية بعد الأحداث السياسية، مثل الأزمات في الشرق الأوسط، وأعمال الشغب في مصر، والضجة المحيطة بـ «إدوارد سنودن» وغيرها. ومع ذلك، فإن الاقتصاد العالمي نفسه يشهد في الوقت ذاته أحداثًا كثيرةً بالفعل جديرةً بالاهتمام.
إذن، دعونا نحلِّل ونختبر بعض الفرضيات:
- الاقتصاد العالمي يمر حاليًّا بأزمة؛
- الاقتصاد الأوروبي يمر أيضًا بمرحلة ركود، وقد تم الإعلان عن ذلك رسميًّا؛
- كما أن الاقتصاد الأمريكي يعاني أزمةً أيضاً، غير أن التقارير المفبركة وتصدره قوائم وكالات التصنيف يوحيان بعكس ذلك.
أما بالنسبة للمؤشرات الفعلية المهمة حقًّا، فهي: الناتج المحلي الإجمالي، ومعدل التضخم، ومعدل البطالة، وأسعار الفائدة، وحجم الدين السيادي.
الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة اعتمدت منهجية جديدة لحساب الناتج المحلي الإجمالي! وبموجب هذه البيانات، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بشكل ملحوظ، بينما انخفض حجم الدين السيادي الكبير بشكل ملحوظ أيضًا.
الكذب، والكذب الوقح، والإحصاءات
ولماذا يتم هذا التغيير؟ ومن يستفيد منه؟ دعونا نستحضر مقولة بنجامين دزرائيلي: «هناك ثلاثة أنواع من الكذب: الكذب، والكذب الوقح، والإحصاءات». إن الرأي العام يُبنى على هذه الإحصاءات، وهو ما يؤثر مباشرةً وغير مباشرةً على الأسواق المالية، حيث نلاحظ فقاعةً صابونيةً تتمثل في صعود مؤشرات الأسواق المختلفة. ويوضح الشكل أدناه حجم الناتج المحلي الإجمالي حسب البلدان، مع توضيح وضع أسعار الفائدة بالألوان.

والآن دعونا نلقي نظرةً على معدل البطالة عالميًّا، ثم على حدة في الولايات المتحدة.
إذن، مستويات البطالة العالمية مرتفعة. ويمكن استنتاج ذلك حتى من ظهور منظمات غير حكومية جديدة تهدف إلى لفت الانتباه إلى مشكلة العمالة.

وبالنسبة للدول المتقدمة، فإن دول منطقة اليورو تستحق الذكر بشكل خاص: إذ بلغ معدل البطالة في إسبانيا 26%، وفي اليونان 27%، بينما تظهر فرنسا وإيطاليا أيضًا اتجاهات سلبية في مسار معدل البطالة.


أما في الولايات المتحدة، فتُظهر تحسناً، وفق الإحصاءات الرسمية. أما الأرقام غير الرسمية فهي أعلى بمرتين أو ثلاث مرات. ويُعزى ذلك إلى عوامل مختلفة: مثل قيام الحكومة بإخفاء الأرقام الحقيقية، أو انخفاض عدد المواطنين الذين يتقدمون بطلبات الحصول على إعانات البطالة، وغيرها.

والآن دعونا نلقي نظرةً على مؤشرات التضخم (انظر الشكل 6). فالخريطة بسيطة جدًّا: فكلما كان اللون أغمق، زاد معدل التضخم. وتظهر روسيا في هذه الخريطة كمنطقة مشكلة واضحة، مع نسبة تضخم رسمية تبلغ 6.5%. لكن المقيمون في روسيا يدركون جيداً معدل التضخم الحقيقي، خاصةً فيما يتعلق بأسعار الطاقة والسلع الغذائية وغيرها. علاوةً على ذلك، منذ بداية العام الحالي، سجَّلت كل من أوروبا والولايات المتحدة معدلات تضخم أعلى من نمو الناتج المحلي الإجمالي لديها.

الكساد الكبير: إعادة تحميل
يعتبر العديد من الاقتصاديين أن مستويات مؤشر داو جونز عند 16500–17000 نقطة، ومؤشر S&P500 عند 1800 نقطة، تمثل مستويات حرجة. وفقط بعد بلوغ هذه المستويات ستبدأ مرحلة الانخفاض، والتي لن تكون تدريجية، بل سيكون حاداً كما حصل في عام 2008.
وماذا عن النفط؟ طالما أن سعر البرميل يتجاوز 100 دولار، فالوضع يبدو مستقرًّا. لكن ما الذي يحدث فعليًّا؟ هل النفط يرتفع سعره أم أن الدولار يفقد قيمته؟ تشير جميع التحليلات إلى الخيار الثاني، ويؤكد الاقتصاديون الأكاديميون ـ وليس الاقتصاديون السياسيون ـ بصوت واحد على تشابه الوضع الراهن مع أحداث عامي 2008 و1929–1933، أي فترة الكساد الكبير في الولايات المتحدة.
كم عدد العوامل اللازمة لإصدار توقع موضوعي؟ هناك علماء بارزون مثل ألكسندر أكايف، وفلاديمير بانتين، وألكسندر آيفازوف، الذين أكملوا بالفعل جميع الحسابات. فقد أعد آيفازوف الرسم البياني الذي أثار جدلاً واسعاً في الرأي العام عام 2010.

ويقول آيفازوف: «الاقتصاد العالمي يغرق تدريجيًّا في أزمة اقتصادية عميقة وطويلة الأمد، ستستمر حتى عام 2015، وسيشهد العالم في عام 2013 اضطرابات مالية واقتصادية هائلة، بينما سيبلغ ذروته في عام 2014. وتسعى مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، والمصرف المركزي الأوروبي، ومصرف اليابان، ومصرف إنجلترا، وغيرها من المؤسسات المالية في الدول المتقدمة، عبر الطباعة النقدية البدائية وتخفيض أسعار إعادة التمويل إلى ما يقرب من الصفر، إلى إغراق اقتصاداتها بالسيولة الرخيصة». ومن الاستنتاجات المهمة التي يجب أخذها بعين الاعتبار أن النمو الاقتصادي لا يتم بشكل خطي، بل بشكل متقطع.
والآن دعونا نلقي نظرةً على دورات كوندراتييف.
لمعلوماتكم: طوَّر هذه النظرية الاقتصادي السوفيتي نيكولاي كوندراتييف (1892–1938). وفي عشرينيات القرن العشرين، لاحظ وجود انتظام دوري معين في التغيرات طويلة المدى لبعض المؤشرات الاقتصادية.
وباستخدام أحد أمثلة التحليل الطيفي (انظر الشكل 8)، يمكننا تحديد المرحلة التي وصلت إليها الاقتصادات العالمية حاليًّا، والتنبؤ بصرياً بالمستقبل القريب لنمو الناتج المحلي الإجمالي.

ومن المهم أن هذه النظرية لم تنل اعترافاً عالمياً بعد، لكنها تحظى بمصداقية كبيرة لدى كثير من الاقتصاديين المرموقين، لأنها تفسر الأحداث الاقتصادية العالمية تفسيرًا دقيقًا، وخاصة فترات الانكماش.
والآن دعونا نحلِّل الخريطة من منظور إحدى كبرى وكالات التصنيف العالمية: «موديز أناليتكس» (انظر الشكل 9).

تتابع وكالة «موديز أناليتكس» بدقة الظروف الاقتصادية في مختلف دول العالم، وتلخّص نتائجها في هذه الخريطة التفاعلية. ويقوم المحللون بدراسة طائفة واسعة من المؤشرات لتحديد مكانة كل دولة ضمن الدورة الاقتصادية. ومن بين هذه المؤشرات: معدل العمالة، ومستوى الإنتاج الصناعي، ومبيعات التجزئة — وهي مؤشرات عالية التواتر تعكس نطاق النشاط الاقتصادي. وتُصنَّف الدول التي تنخفض مؤشراتها على أنها «في حالة ركود». أما الدول التي يتباطأ فيها الانخفاض، فتصنَّف على أنها «في طور الاستقرار». وتُصنَّف الدول التي بدأت مؤشراتها في الارتفاع مجددًا على أنها «في طور التعافي». أما الاقتصادات التي تجاوزت بالفعل ذروة نموها السابقة، فتصنَّف على أنها «في طور التوسع».
ومن هذه المؤشرات يتضح أن العديد من العمليات تتفاقم. وبقي فقط الانتظار لوصول تلك النقطة الحرجة التي تصبح فيها الدول عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها. وهي اللحظة التي يصدر فيها وزارة الخزانة الأمريكية سندات خزينة (سندات)، ويشتريها مجلس الاحتياطي الفيدرالي بمالٍ مطبوع حديثًا. وكذلك اللحظة التي تتوقف فيها الدول الناجحة في منطقة اليورو عن تقديم القروض لشركائها «المحتضرين».
إن الإحصاءات الرسمية تكشف لنا فقط قمة الجبل الجليدي. ومن المهم أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، وإجراء تحليل شامل ومتكامل للوصول إلى استنتاجات دقيقة. نتمنى لكم تداولًا ناجحًا!