لطالما ساد بين المتداولين اعتقادٌ راسخٌ مفاده أن خطر التداول في سوق الفوركس يتناسب طرديًّا مع حجم الرافعة المالية المستخدمة. فهل هذا صحيحٌ حقًّا أم أنه مجرد أسطورة؟


ما هي الرافعة المالية؟ الاقتراض من الوسيط
يجب أولًا توضيح مفهوم الرافعة المالية نفسه. يبلغ حجم اللوت القياسي في الفوركس ١٠٠٬٠٠٠ وحدة من العملة. وبعبارة بسيطة، عند شراء لوت واحد في زوج اليورو/الدولار، يشتري المتداول ١٠٠٬٠٠٠ يورو. ومن الواضح أن هذه المبالغ لا يمتلكها معظم الأشخاص. وتتيح الرافعة المالية للمتداول اقتراض أموال من الوسيط للتداول بمبالغ أكبر مما يملكه في حسابه. وبالمقابل، فإن ذلك يفتح المجال لتحقيق أرباح كبيرة أو خسائر جسيمة إذا تحرك السعر عكس الاتجاه الذي فتح فيه المتداول مركزه.
ويقدِّم وسطاء الفوركس رافعة مالية بنسبة ١:٢٠ أو ١:٥٠ أو ١:١٠٠ أو حتى ١:٥٠٠، وبعضهم يقدِّم رافعة تصل إلى ١:١٠٠٠.
مثال عملي على استخدام الرافعة المالية
ولتوضيح الفكرة، نأخذ مثالًا بسيطًا: يبلغ رصيد حساب المتداول «باسم» ٥٬٠٠٠ دولار أمريكي. ويقوم باسم بفتح مركز شراء (الوضع الشرائي) في زوج اليورو/الدولار بحجم لوت واحد. كما ذكرنا سابقًا، فهذا يعني أنه يشتري ١٠٠٬٠٠٠ يورو. ولنفترض أن سعر صرف الزوج وقت فتح الصفقة هو ١٫٣٠٠٠. وبالتالي، يجب خصم المبلغ التالي من حسابه:
١٠٠٬٠٠٠ وحدة (لوت قياسي واحد) × ١٫٣ (سعر اليورو بالدولار) = ١٣٠٬٠٠٠ دولار أمريكي.
وبما أن لدى باسم هذا المبلغ في حسابه، فإنه يستخدم رافعة مالية بنسبة ١:١٠٠، أي أن المبلغ المُخصم من حسابه ليس ١٣٠٬٠٠٠ دولارًا، بل ١٣٠٬٠٠٠ ÷ ١٠٠ = ١٬٣٠٠ دولار فقط. أما المبلغ المتبقي البالغ ١٢٨٬٧٠٠ دولارًا فيقدِّمه الوسيط. وهذا ما يُسمى «الرافعة المالية». وكيف يحمي الوسيط نفسه من خسارة هذه المبالغ؟ الأمر بسيط جدًّا، لأن:
أقصى خسارة ممكنة لمتداول مثل باسم لا يمكن أن تتجاوز رصيده في الحساب.
فلنفترض أن المركز الشرائي (اللونغ) في زوج اليورو/الدولار أصبح خاسرًا، وأن السعر بدأ بالانخفاض وتزايد الخسارة. وعندما تصل الخسارة الجارية إلى ٣٬٧٠٠ دولار، بينما يبلغ إجمالي رصيد باسم ٥٬٠٠٠ دولار، يتواصل الوسيط مع باسم ليطلب منه إما إغلاق جزء من المركز الخاسر أو إيداع أموال إضافية في الحساب. وتُعرف هذه الحالة باسم «نداء الهامش» (Margin Call) أو «إغلاق تلقائي» (Stop Out). وفي الواقع، لم يعد أحد يجري مكالمات هاتفية فعلية اليوم، بل يحدد الوسيط مستوى هامش مسبقًا، وعندها يُغلق المركز الخاسر تلقائيًّا من قِبل النظام.
متى يحدث «نداء الهامش»؟

في حالة المتداول باسم، يتم احتجاز هامش قدره ١٬٣٠٠ دولار عند فتح المركز. ولنفترض أن السعر يتحرك عكس المركز المفتوح، والذي تبلغ قيمته الإجمالية ١٣٠٬٠٠٠ دولار، ووصلت الخسارة الجارية إلى ٣٬٧٠٠ دولار. وبالتالي، يصبح رصيد الحساب (Equity) ٥٬٠٠٠ − ٣٬٧٠٠ = ١٬٣٠٠ دولار.
يحدث «نداء الهامش» عندما يصبح الرصيد المتاح في الحساب أقل من أو يساوي مبلغ الهامش المطلوب للمركز المفتوح.
ويختلف مستوى «نداء الهامش» من وسيط لآخر، ومن نوع حساب لآخر، ويبلغ متوسطه عادةً بين ٢٠٪ و٥٠٪ من مبلغ الهامش المطلوب. فإذا كان مستوى «نداء الهامش» المحدد لحساب باسم هو ٥٠٪، فسيتم إغلاق مركزه تلقائيًّا عندما ينخفض رصيده إلى ١٬٣٠٠ ÷ ٢ = ٦٥٠ دولارًا. وبذلك، نفترض أن «نداء الهامش» قد حدث عندما بلغت الخسارة ٥٬٠٠٠ − ٦٥٠ = ٤٬٣٥٠ دولارًا.
الرصيد الأولي ٥٬٠٠٠ دولار – قيمة المركز ١٬٣٠٠ دولار (هامش محتجز من الحساب) + ١٢٨٬٧٠٠ دولار (مقدمة من الوسيط عبر الرافعة المالية) − ٤٬٣٥٠ دولار (الخسارة) = ١٣٠٬٦٥٠ دولارًا.
وكما ترى، تبقى أموال الوسيط سليمة، بينما يتحمل المتداول باسم الخسارة كاملة، ويظل في حسابه بعد «نداء الهامش» ٦٥٠ دولارًا فقط.
ويتم تحقيق الأرباح بنفس الآلية. فلنعد إلى نفس المثال: رصيد باسم ٥٬٠٠٠ دولار، مركز شراء (لونغ) في زوج اليورو/الدولار بحجم لوت واحد، وقيمة المركز ١٣٠٬٠٠٠ دولار = ١٬٣٠٠ دولار (هامش محتجز من الحساب) + ١٢٨٬٧٠٠ دولار (مقدمة من الوسيط عبر الرافعة المالية). وبعد إغلاق المركز، تكون الأرباح ١٠٬٠٠٠ دولار. إذن المجموع الكلي هو:
٥٬٠٠٠ + ١٢٨٬٧٠٠ + ١٬٣٠٠ + ١٠٬٠٠٠ = ١٤٥٬٠٠٠ دولار.
وبعد إغلاق المركز، تُعاد المبالغ التي قدَّمها الوسيط (١٢٨٬٧٠٠ دولار) إليه، بينما يسترد باسم هامشه البالغ ١٬٣٠٠ دولار، بالإضافة إلى أرباحه البالغة ١٠٬٠٠٠ دولار فوق رصيده الأصلي البالغ ٥٬٠٠٠ دولار.
وباختصار، يمكن تشبيه الرافعة المالية بمسدس يطلق النار في كلا الاتجاهين: فمن خلال رصيد صغير نسبيًّا، يمكن تحقيق أرباح ضخمة في وقت قياسي، أو الخسارة الفورية تقريبًا لمعظم الأموال في الحساب.
هل الرافعة المالية الكبيرة ضارة؟ أسطورة أم حقيقة؟
ولتوضيح الفكرة، نأخذ مثالًا بحسابين: أحدهما برافعة مالية ١:١٠٠ والآخر برافعة ١:٥٠٠. ونفتح في كلا الحسابين مركز شراء (لونغ) في زوج اليورو/الدولار بحجم ٠٫٠١ لوت. فأي الحسابين أكثر خطورة؟ لا أحد منهما. فلنفترض أن السعر انقلب عكس الصفقة، وبلغت الخسارة ١٠٠ نقطة، وهي تعادل ١٠ دولارات لكل من الحسابين — سواء استخدم الرافعة ١:١٠٠ أو ١:٥٠٠. فهل تغيَّرت قيمة الخسارة بسبب حجم الرافعة؟ لا إطلاقًا.
وبناءً على ما سبق، يجب أن ندرك أن الرافعة المالية الكبيرة لا تفعل سوى تمكين المتداول من فتح مراكز أكبر حجمًا (باللوت) باستخدام رصيد صغير نسبيًّا في الحساب. فعلى سبيل المثال، وباستخدام رصيد قدره ١٬٠٠٠ دولار، تتيح الرافعة ١:١٠٠ رأس مال تداول إجمالي قدره ١٠٠٬٠٠٠ دولار، بينما تتيح الرافعة ١:٥٠٠ رأس مال قدره ٥٠٠٬٠٠٠ دولار. ومع تطبيق قواعد إدارة رأس المال والتحكم في المخاطر بشكل سليم، فإن حجم الرافعة — سواء كان ١:١٠٠ أو ١:٥٠٠ — لا يؤثر في جوهر إدارة المخاطر. ومع ذلك، إذا كانت الاستراتيجية تتطلب وجود هامش حر كبير، فإن الرافعة العالية توفر مرونة أكبر. لكن لا ننسَ أبدًا أن الأرباح الكبيرة تترافق دائمًا مع مخاطر أكبر!
وبالتالي، نخلص إلى أن حجم الرافعة المالية لا يؤثر بأي شكل من الأشكال على مستوى المخاطر. فالخطر يعتمد فقط على حجم المراكز المفتوحة من قِبل المتداول. وبشكل عام، فإن الرافعة المالية التي يقدمها وسطاء الفوركس ليست سوى أداة تتيح تحقيق الأرباح حتى بأصغر الرسومات الأولية.