ما هو سوق الفوركس؟ حتى المبتدئون يعرفون الإجابة على هذا السؤال. ومن يتعامل في سوق العملات؟ بالضبط، هم المتداولون — أشخاصٌ لكلٍّ منهم نقاط ضعف وعيوبه الخاصة. وعندما يتجمّع عددٌ كبيرٌ من الأشخاص ضمن مشروعٍ ما، يشكّلون جمعًا له أنماط سلوكية مميزة. دعونا نستعرض المفاهيم الخاطئة الشائعة عن سلوك الجماعة السوقية، وما يجب فعله لكي لا تنضمَّ إلى هذه الجماعة.
المحتويات
- حكاية طويلة جدًّا عن المتداول الجاد «إيفان إيفانوفيتش»
- العبرة من هذه الحكاية…
- المفهوم الخاطئ رقم ١: يُفتح معظم الصفقات عكس الاتجاه السائد
- المفهوم الخاطئ رقم ٢: تبقى الصفقات الرابحة أقلَّ من نصف المدة التي تبقى فيها الصفقات الخاسرة
- المفهوم الخاطئ رقم ٣: يُحدَّد أمر «أرباح مستهدفة» (Take-Profit) في صفقاتٍ أكثر بكثيرٍ من تلك التي يُحدَّد فيها أمر «وقف الخسارة» (Stop-Loss)
- المفهوم الخاطئ رقم ٤: الطرق التقليدية لتحديد أوامر وقف الخسارة
- المفهوم الخاطئ رقم ٥: يُحدِّد معظم المتداولين أمر أرباح مستهدفة
- المفهوم الخاطئ رقم ٦: لا يرتبط تحديد أمر الأرباح المستهدفة بأي مستويات تقنية محددة
- المفهوم الخاطئ رقم ٧: يُفتح معظم الصفقات دون وجود إشارات تداول واضحة
- المفهوم الخاطئ رقم ٨: يتوافق كل صفقة مفتوحة مع ثلاثة أوامر معلّقة في المتوسط
- جئتُ إلى سوق الفوركس لأربح المال…
حكاية طويلة جدًّا عن المتداول الجاد «إيفان إيفانوفيتش»
إيفان إيفانوفيتش متداولٌ جادٌّ. وهو يفتح منصة التداول يوميًّا محاولًا كسب المال عبر تداول أزواج العملات في سوق الفوركس. وإيفان ليس مبتدئًا مبتدئًا، بل قرأ العديد من الكتب عن التداول، وسجّل في عدة منتديات الفوركس، بل وصمّم حتى استراتيجية تداول خاصة به. دعونا نزور إيفان ونرى كيف يمر يومه التداولي.
أول ما يفعله هو تشغيل المنصة، حيث تكون هناك شاشات عديدة تعرض رسومًا بيانية لأزواج العملات. ثم يتفحّصها بسرعة بحثًا عن إشارات تداول واضحة. لكن البحث اليوم لا يُجدِي نفعًا — لا توجد إشارات للدخول في السوق، ومع ذلك لا يستسلم إيفان؛ فالصفقة يجب أن تُفتح بأي ثمن! فكيف يمكن كسب المال في الفوركس دون التداول؟ وبالفعل، يعيد البحث عن الإشارات، ولكن «بشكل أكثر دقة هذه المرة».
وأخيرًا، يكتشف «إشارة تداول» (في الواقع موجودة فقط في خيال إيفان)، ويُفتح الصفقة. وكما ذكرنا سابقًا، إيفان ليس مبتدئًا، لذا يدوّن إجراءاته في دفتر التداول: «فتحت صفقة شراء على زوج اليورو/الدولار بعد ظهور إشارة تداول — انخفاض حاد في السعر ثم توقفه عند المتوسط المتحرك، تمهيدًا للانعكاس».
وهنا لا تتوقف جدية إيفان. فقد فتح الصفقة لتحقيق ربح، ولذلك، ولضمان ألا تفلت الأرباح، يحدد أمر «أرباح مستهدفة» على بعد ٣٠ نقطة من السعر الحالي. أما بالنسبة لأمر «وقف الخسارة»؟ إيفان ليس مجرد متداول جاد، بل أيضًا عقلانيٌّ ومُحترف. فيتساءل: «لماذا أضع أمر وقف الخسارة؟ فأنا أراقب الصفقة باستمرار، وإذا حدث أي شيء، سأغلقها يدويًّا».
وبعد فتح الصفقة، يبقى السعر ثابتًا، ولا يبدو أنه سيتحرك في أي اتجاه قريبًا. لماذا يضيع الوقت إذن؟ كمتداول جاد، يعرف إيفان تمامًا أن التداول في سوق الفوركس يولّد ضغطًا نفسيًّا، لذا يقرر الاسترخاء بينما «ينام» السوق. فيفتح لعبة World of Tanks، ويشارك في جولتين سريعتين على دبابة مفضّلته لتخفيف هذا العبء النفسي الهائل.
وبعد ساعة يتذكّر إيفان الصفقة المفتوحة. فينظر إلى الرسم البياني، لكن بدلًا من الارتفاع المتوقع، انخفض السعر ٥٠ نقطة، وأصبحت الصفقة تسجّل خسارة عائمة قدرها ٥٠ دولارًا. ويتساءل إيفان، الملمّ بأدب الفوركس: «ماذا يحدث هنا بالضبط؟ هل سبق أن وقعت مثل هذه الحالة من قبل؟». وبعد تحليل سريع لرسم زوج اليورو/الدولار، يستنتج أن السعر لن يهبط أكثر، لأن المتوسط المتحرك الطويل الأجل يقف الآن في طريقه. فيفتح صفقة شراء أخرى بنفس الحجم، ليُوازن الصفقة ضد الزخم السائد.
ويمر ٤٠ دقيقة في مراقبة دقيقة لتطورات أسعار الزوج. وينتعش السعر قليلًا بعيدًا عن المتوسط المتحرك الطويل، وتتحول الخسارة العائمة إلى ربح عائم صغير. فيبتسم إيفان بابتسامة راضية: «الآن بالتأكيد لن يخدعني السوق، لقد ثبت صحة التحليل». وبما أن السعر لن يهبط أكثر، فإنه يقرر، «لتطهير الضمير»، وضع أمر وقف الخسارة. فهل يُعقل أن يكون متداولًا جادًّا دون حماية؟ فيضع إيفان، بيدٍ ثابتة، أمر وقف الخسارة عند مستوى أدنى مستوى أسبوعي.
وبعد خمس دقائق بالضبط، يخترق السعر المتوسط المتحرك، ويهبط أكثر، فتُغلق صفقة إيفان تلقائيًّا عند أمر وقف الخسارة. فيصاب إيفان بالصدمة: «كيف حدث هذا؟ هذا غير ممكن! فالمتوسط المتحرك طويل الأجل…».
هذه هي الحكاية عن المتداول الجاد «إيفان إيفانوفيتش»؟ هل عرفت نفسك فيها؟ لكن كما تعلم، يجب أن تحتوي كل حكاية محترمة على عبرة. ولن نتوقف عند هذه عبرة بالتفصيل.
العبرة من هذه الحكاية…
أعتقد أن كثيرين تعرّفوا على أنفسهم في شخصية إيفان إيفانوفيتش. وبصراحة، كاتب هذه المقالة كان كذلك في الماضي. أما بالنسبة لمعظم المتداولين ذوي الخبرة الفعلية، فهي مرحلةٌ قد اجتازوها. لكن ما الاستنتاجات التي يمكننا استخلاصها منها؟
إن «إيفان إيفانوفيتش» ليس شخصًا واحدًا، بل هم جماعاتٌ كاملة في سوق الفوركس. وبالتالي، يمكن تمييز أنماط سلوكية شائعة بين هذه الجماعات، ومعرفتها تتيح لك تحقيق الأرباح حيث يخسر الآخرون. وبما أن الحديث انتقل إلى المال، فلنكن جادين. دعونا نستعرض أهم المفاهيم الخاطئة السلوكية التي تؤثر مباشرةً على السوق. والآن، نبدأ.
المفهوم الخاطئ رقم ١: يُفتح معظم الصفقات عكس الاتجاه السائد
وبكلمات بسيطة، هذه صفقات تُفتح عكس الاتجاه العام، بهدف «التقاط» الانعكاس عند بدايته.
توجد طرق عديدة لتحديد اتجاه الاتجاه وانعكاسه، لكن الحقائق لا تقبل الجدل. فهي تشير إلى أن الحركة الطويلة للسعر في اتجاه واحد تؤدي إلى زيادة عدد الراغبين في فتح صفقات عكس هذه الحركة. فهم لا يصدقون أن السعر يمكن أن يستمر في الصعود مثلًا، لأن «قد ارتفع بالفعل كثيرًا، فلا يمكنه الارتفاع أكثر!».
وإذا عبّرنا عن ذلك بالأرقام، فإن ٤٠٪ فقط من الصفقات تُفتح في اتجاه الاتجاه السائد، بينما تُفتح ٦٠٪ عكس الاتجاه. وكما ذكرنا، يكمن جوهر هذا المفهوم الخاطئ في الرغبة في «التقاط» الانعكاس في بدايته — عند اختراق مستوى معين أو خط في التحليل الفني.
المفهوم الخاطئ رقم ٢: تبقى الصفقات الرابحة أقلَّ من نصف المدة التي تبقى فيها الصفقات الخاسرة
والسبب في هذا المفهوم الخاطئ هو الخوف البشري العادي. فنحن نخشى أن نفوّت الأرباح المحققة، لذا نغلق الصفقات الرابحة بسرعة، ونشعر بالخوف من تحمّل الخسارة، فنؤجل إغلاق الصفقات الخاسرة آملين أن ينعكس السعر.
ومن المثير للاهتمام أن هذا السلوك يؤدي إلى وجود صفقات خاسرة أكثر من الصفقات الرابحة في السوق دائمًا. ولذلك فإن نسبة المتداولين الرابحين في سوق الفوركس إلى الخاسرين تبلغ حوالي ٣٠–٣٥٪، ونادرًا ما تتجاوز ٤٠٪.
المفهوم الخاطئ رقم ٣: يُحدَّد أمر «أرباح مستهدفة» في صفقاتٍ أكثر بكثيرٍ من تلك التي يُحدَّد فيها أمر «وقف الخسارة»

عدم استخدام أوامر وقف الخسارة في التداول هو «مرض» لا يصيب المبتدئين فقط، بل يطال أيضًا كثيرًا من المتداولين ذوي الخبرة. وهنا تعود «الذنب» مرة أخرى إلى علم النفس: فنحن نخشى أن يلامس السعر أمر وقف الخسارة ثم يعاود الحركة في الاتجاه الصحيح. والخيار البسيط والخاطئ هو عدم وضع أمر وقف الخسارة، والاعتماد على الإغلاق اليدوي، كما فعل إيفان إيفانوفيتش. وفي الواقع، لا يُستخدم أمر وقف الخسارة إلا في ٤٠٪ من الصفقات المفتوحة.
المفهوم الخاطئ رقم ٤: الطرق التقليدية لتحديد أوامر وقف الخسارة
بعد قراءة النقطة السابقة بعناية، قد يخطر لك سؤال طبيعي: «انتظر، أليس هناك طرق تقليدية لوضع أمر وقف الخسارة، مثل وضعه فوق أعلى قمة سابقة أو تحت أدنى قاع سابق؟ ألا تبدو المنطقية بسيطة: إذا اختراق السعر مستوى القمة/القاع السابق، فهو سيستمر في الحركة نفسها؟ ألم تُعلّمنا المواد التعليمية حول التداول هذا بالضبط؟».
بالفعل، يبدو الأمر منطقيًّا بلا شك. وكان كذلك في الماضي: كانت الأسعار تقترب من مستوى الذروة/القاع السابق، فتنشأ حالة من الذعر في السوق، مما يدفع السعر للمتابعة. وقد شكّل هذا الآلية عادةً لدى الجماعة بوضع أوامر وقف الخسارة خلف هذه المستويات. أما اليوم، فسوق العملات لم يعد كما كان — فالسوق يحكمه «صانعو السوق» (Market Makers). وهذه المستويات التقليدية، التي تضع الجماعة أوامر وقف الخسارة عندها، تجذب انتباه صانعي السوق لفتح صفقاتهم الخاصة.
لقد تغيّر السوق، لكن العادة في وضع أوامر وقف الخسارة خلف المستويات المحلية المتطرفة بقيت. وفي الواقع، يوجد على هذه المستويات ضعف عدد أوامر وقف الخسارة الموجودة في جميع المستويات الأخرى مجتمعة.
المفهوم الخاطئ رقم ٥: يُحدِّد معظم المتداولين أمر أرباح مستهدفة
فالجميع يحب الربح، لذا يُحدَّد أمر «أرباح مستهدفة» في عدد أكبر بكثير من الصفقات. وفي الواقع، تظهر النسب كما يلي:
- ٤٠٪ من الصفقات لها أمر وقف خسارة، ومن بينها ٣٠٪ لها أيضًا أمر أرباح مستهدفة.
- ٨٠٪ من الصفقات لها أمر أرباح مستهدفة، ومن بينها ٣٠٪ لها أيضًا أمر وقف خسارة.
- ١٠٪ من الصفقات لا تحتوي على أي أمر من النوعين.
ولماذا نحتاج إلى هذه المعلومات؟ لأنها تؤدي مباشرةً إلى المفهوم الخاطئ التالي.
المفهوم الخاطئ رقم ٦: لا يرتبط تحديد أمر الأرباح المستهدفة بأي مستويات تقنية محددة
عدد الطرق المستخدمة لتحديد أمر الأرباح المستهدفة أكبر بكثير من طرق تحديد أمر وقف الخسارة، ولذلك لا نشهد تراكمًا كبيرًا لأوامر الأرباح المستهدفة كما يحدث مع أوامر وقف الخسارة.
المفهوم الخاطئ رقم ٧: يُفتح معظم الصفقات دون وجود إشارات تداول واضحة
إذا راقبت تراكم الصفقات عند مستويات محددة، ستلاحظ فورًا أن كلما طال وقت بقاء السعر عند مستوى ما، زاد عدد الصفقات المفتوحة عليه. ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الصفقات فُتحت دون وجود إشارات تداول واضحة. أي أن الجماعة تفتح الصفقات فقط لأنها «تريد ذلك». ويمكن دائمًا إيجاد مبرر «لرؤية» إشارة تداول.
المفهوم الخاطئ رقم ٨: يتوافق كل صفقة مفتوحة مع ثلاثة أوامر معلّقة في المتوسط

ووفقًا للدراسات التي أُجريت، فإن عدد الأوامر المعلّقة يفوق عدد الصفقات المفتوحة بمقدار ثلاث مرات في المتوسط. وهذا منطقي تمامًا، لأن الصفقة الواحدة قد تحتوي على أمرَيْن معلّقين: وقف خسارة وأرباح مستهدفة. ومع ذلك، فإن النسبة بين الأوامر المحددة كـ«وقف خسارة» و«أرباح مستهدفة» لا تتجاوز ١ إلى ٢، بينما النسبة في الواقع هي ١ إلى ٣. أما الجزء المتبقي من الأوامر المعلّقة فهو أوامر Limit وStop.
وبالإضافة إلى ذلك، إذا أخذنا في الاعتبار المفاهيم الخاطئة السابقة، وأنه ليس لدى جميع الصفقات أمر وقف خسارة أو أرباح مستهدفة، فإن النسبة النهائية للأوامر المعلّقة في السوق تكون كما يلي:
- أوامر وقف الخسارة: ١٤٪.
- أوامر نوع Stop: ٢٠٪.
- أوامر الأرباح المستهدفة: ٢٨٪.
- أوامر نوع Limit: ٤٠٪.
وبما أننا نستعد «للعمل عكس الجماعة»، فإن هذه النسب ليست ذات أهمية كبيرة لنا، لأن صانعي السوق يعتبرونها جميعًا متساوية من حيث التأثير.
جئتُ إلى سوق الفوركس لأربح المال…
ضحِكنا على إيفان إيفانوفيتش، وحلّلنا المفاهيم الخاطئة، لكن ما الفائدة العملية من كل هذا؟ كما يقول أحد مستخدمي منتدى موقعنا: «جئتُ إلى سوق الفوركس لأربح المال، وليس لأصبح عالمًا». فكيف نحوّل هذه المعرفة إلى أرباح مادية؟
وبتعبيرٍ توضيحي، فإن الجماعة في سوق الفوركس هي غذاء أسماك القرش السوقية. وأموال «إيفان إيفانوفيتش» هي ربحهم. وبابتعادك عن المفاهيم الخاطئة السائدة في السوق، لن تقلق من أن تلتهمك أسماك القرش، بل ستتمكن من أخذ حصةٍ من غذائها لنفسك.
كيف لا تنضم إلى الجماعة؟ إن اتباع التوصيات التالية يجعل ذلك سهلًا جدًّا:
- افتح صفقاتك حصريًّا في اتجاه الاتجاه السائد.
- تجنب وضع أمر وقف الخسارة عند المستويات التقريبية (مثل ١,٢٠٠٠ أو ١,٢٥٠٠) ومنطقة الذروات/القيعان المحلية.
- لا تأخذ تحديد أمر الأرباح المستهدفة كقاعدة مطلقة. فعادةً، إذا تحقّق توقعك، فسيستمر السعر في الحركة في الاتجاه الصحيح لفترة أطول.
- اختر عند تحديد أمر الأرباح المستهدفة مستويات يضع فيها المتداولون «الكلاسيكيون» أوامر وقف الخسارة. فمعظمهم سيُطردون عند أوامر وقف الخسارة، بينما تحقق أنت أرباحك.
- افتح الصفقة فقط عند وجود إشارة تداول واضحة. لا تُغرَّ بالحماس أو نوبات المقامرة.
- ركّز أكثر على الخسائر بدلًا من الأرباح. وتحكم في خسائرك: ضع أوامر وقف الخسارة دائمًا، والأرباح لن تهرب منك.
- استخدم في تداولك أوامر BuyLimit وSellLimit بشكل متكرر، مع تحديد أمر وقف خسارة داخل كلٍّ منها.
بالطبع، بعض هذه التوصيات مألوفٌ لك بالفعل. لكنك الآن تفهم معناها الحقيقي، وبات بإمكانك تحقيق المكاسب حيث يخرج الغالبية بخسائر.